سر الأسرار و مظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار - الجيلاني، عبد القادر - الصفحة ٩٣ - المقالة الثامنة و العشرون في تفصيل أحوال المريد
أنواع المعاصي و الأباطيل و الترهات فزالت تلك الولاية فسكنت الجوارح و فرغت دار الملك التي هي القلب و تنظفت الساحة التي هي الصدر. فأما لقلب فصار مسكينا للتوحيد و المعرفة و العلم. و أما الساحة فمهبط الموارد و العجائب من الغيب؛ كل ذلك نتيجة البلايا و ثمراتها، قال النبي صلى اللّه عليه و سلم: «إنا معاشر الأنبياء أشد الناس بلاء ثم الأمثل فالأمثل» و قال صلى اللّه عليه و سلم: «أنا أعرفكم باللّه و أشدكم منه خوفا» فكل من قرب من الملك اشتد خطره و حذره، لأنه في مرأى من الملك لا يخفى عليه تصاريفه و حركاته.
فإن قلت: فالخليقة عند اللّه عزّ و جلّ بأجمعهم كشخص واحد لا يخفى عليه منهم شيء، فأي فائدة لهذا الكلام؟
فنقول لك: لما علت منزلته و شرفت رتبته عظم خطره، لأنه وجب عليه شكر ما أولاه من جسيم نعمه و فضله فأدنى الالتفات عن خدمته تقضبر في شكره و ذلك نقصان في طاعته. قال اللّه عزّ و جلّ: يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ [الأحزاب: الآية ٣٠]، قال ذلك لهنّ لتمام نعمه عزّ و جلّ عليهن باتصالهن بالنبي صلى اللّه عليه و سلم، فكيف من كان مواصلا باللّه عزّ و جلّ و قربه، تعالى اللّه علوّا كبيرا عن التشبيه بخلقه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشّورى: الآية ١١] و اللّه الهادي.
المقالة الثامنة و العشرون في تفصيل أحوال المريد
قال رضي اللّه تعالى عنه و أرضاه: «أتريد الراحة و السرور و الدعة و الحبور، و الأمن و السكون و النعيم و الدلال و أنت بعد في كير السبك و التذويب و تمويت النفس و مجانبة الهوى و إزالة المرادات و الأعواض دنيا و أخرى و قد بقيت فيك بقية من ذلك ظاهرة لائحة؟ على رسلك يا مستعجل مهلا مهلا، يا مترقب الباب مسدود إلى ذلك، و قد بقيت عليك منه و فيك ذرة و منه و المكاتب عبد ما بقي عليه درهم» أنت مصدود عن ذلك ما بقي عليك من الدنيا مقدار مصّ نواة، و الدنيا هواك و مرادك، و رؤيتك بشيء من الأشياء أو طلبك بشيء من الأشياء و تشوق نفسك إلى شيء من الأعواض دنيا و أخرى؛ فما دام فيك شيء من ذلك فأنت في باب الإفناء، فاسكن حتى يحصل الفناء على التمام و الكمال، فتخرج من الكبر و تكمل صياغتك و تجلى و تكسى و تطيب