سر الأسرار و مظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار - الجيلاني، عبد القادر - الصفحة ٥٨ - الفصل الثالث و العشرون في بيان أهل التصوف
و أمّا الإباحيّة: فيتركون الأمر بالمعروف، و يحلّون الحرام، و يبيحون النّساء.
و أمّا مذهب المتكاسلة: فيتركون الكسب و يسألون من الأبواب، و يدّعون ترك الدّنيا، و هلكوا به.
و أمّا المتجاهلة: فيلبسون لباس الفسّاق على ظهورهم، و يدّعون في بواطنهم، و هلكوا به كما قال اللّه تعالى: وَ لا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ... [هود:
الآية ١١٣].
و أمّا الواقفيّة: فإنّهم يقولون: لا يعرف اللّه غير اللّه تعالى قط، و يتركون طلب المعرفة، و هلكوا به.
و أمّا الهاميّة: فيتركون العلم، و ينهون عن التّدريس، و تابعوا الحكماء.
و يقولون: القرآن حجاب، و الأشعار قرآن الطّريقة، و يعتقدون بذلك القول، و يتركون القرآن، و يعلّمون الأشعار أولادهم، و يتركون الورد و هلكوا بذلك الاعتقاد، و في نفسهم الباطل يقولون نحن أهل السّنّة و الجماعة.
و ليسوا منهم و يقول أهل السّنّة و الجماعة: إنّ الصّحابة كانوا أهل الجذبة بقوّة صحبة النّبيّ ٦، ثم انتشرت تلك الجواذب بعد عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه إلى مشايخ الطّريقة، ثمّ تشعّبت إلى سلاسل كثيرة، حتّى ضعفت و انقطعت عن كثير منهم، فبقي منهم الرّسوم في صورة الشّيوخة بلا معنى، ثمّ تشعّب منهم أهل البدعة، ثمّ انتسب بعضهم إلى قلندر، و بعضهم إلى حيدر، و بعضهم إلى أدهم، و غير ذلك و يطول شرحها. ففي هذا الزّمان أهل الفقر و الإرشاد أقلّ من القليل، و يعلم أهل الحقّ بشاهدين: أحدهما ظاهر، و الآخر باطن.
فالظّاهر: الاستحكام على الشّريعة أمرا و نهيا.
و الباطن: أن يكون سلوكه على مشاهدة البصيرة، فيرى من يقتدي به، و هو النّبيّ ٦ و يكون واسطة بين اللّه و بين روحانيّة النّبيّ ٦ و جسمانيّته في محلّه، فإنّ الشّيطان لا يتمثّل به، فيكون منه إشارة إليه، و إلى مريديه السّالكين، فلا يكون سلوكهم على العمى و ههنا دقائق العلامات في التّمييز لا يدركها إلّا القليل.