سر الأسرار و مظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار - الجيلاني، عبد القادر - الصفحة ٤٧٨ - الثاني
أقول: يشتمل كلامه مع اختلاطه على ثلاثة مطالب:-
الأول: تكذيب البهجة في نقلها أن الشيخ قال هاته الكلمة و أن الأولياء طأطأت رؤوسها له.
الثاني: على فرض صدورها منه، فهي من قبيل شطح الصالحين المغلوبين بالحال، فلا يعول عليها لأنها من بقايا النفس و ليس الشيخ مأمورا من اللّه بأن يقولها.
الثالث: الدليل على أنها ليست بأمر من اللّه رجوع الشيخ من الإدلال إلى التذلل عند الموت.
قلت: و سنحرر جميع ذلك إن شاء اللّه، و إن طال الكلام مع تتبع نقولاته، و تمييز صادقها من مختلقها، و بيان ما أخفاه و تصويب ما حرفه، و إظهار فساد فهمه في بعض عباراتهم، فيتميز الحق من الباطل، فأما الزبد فيذهب جفاء، و أما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض و اللّه الهادي إلى سواء السبيل.
المطلب الأول: تكذيبه أن الشيخ قال قدمي هذه الخ، أقول: ثبت وصح أن الشيخ سيدي عبد القادر نفعنا اللّه به قال: قدمي هذه على رقبة كمل ولي للّه، كما ذكره الحافظ بن حجر و سيدي أحمد زروق، و الإمام الشعراني و عالم الظاهر و الباطن سيدي مصطفى البكري، و الحافظ القصار الذي هو واسطة أسانيد علماء المغرب في الصحاح الستة و غيرها، و الحافظ علي قاري، و صاحب جامع الأصول، و الشيخ علي بن عمر المقدسي، و الشيخ مراد [٣٩/ ق] الشاذلي، و ابن الحاج المانوي و غيرهم بحيث بلغت حد التواتر و كلهم يروونها بالجزم و إذعان الأولياء لا بد منه؛ لأنه لسان القطبية كما قاله الشريف القيلوي، و صرح البكري بإذعان الأولياء للجيلي لما قال ذلك، و قد تقدم ذكر لزوم إذعان الأولياء لقطب الزمان بما فيه كفاية.
المطلب الثاني: ادعاؤه أنها من قبيل الشطح و أن السهروردي نبه على ذلك.
أقول: هذا من تلبيسته؛ لأنه أوهم أن السهروردي في العوارف نبه على أن كلمة الجيلي شطح، و من غباوته نقل عبارة العوارف كما تراها، و لم يفقه المخذول أن مبحث التواضع في العوارف إنما قصد به مؤلفه تربية المريدين، و من كان قريبا من منزلتهم و الحال التي حكاها حال المبتدئين، كما صرح به قوله قصدا لقمع نفوس المريدين خوفا عليهم من العجب و الكبر.