سر الأسرار و مظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار - الجيلاني، عبد القادر - الصفحة ٤٦ - الفصل الثامن عشر في بيان الحج الشريعة و الطريقة
بين العبد و بين الحقّ أحدهما أسود و الثّاني أبيض»[١] ثمّ حلق رأس الرّوح من الصّفات البشريّة بملازمة الاسم الثّامن، ثمّ دخل حرم السّرّ بملازمة الاسم التّاسع، ثمّ وصل رؤية العاكفين، فيعتكف في بساط القربة و الأنس بملازمة الاسم العاشر، ثمّ رأى جمال الصّمديّة بلا كيف و لا تشبيه، ثمّ طاف سبعة أشواط بملازمة الاسم الحادي عشر، و معه ستة أسماء من الفروعات، ثمّ يشرب من يد القدرة كما قال اللّه تعالى: وَ سَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً [الإنسان: الآية ٢١] بقدح الاسم الثّاني عشر، و يرفع برفع الوجه الباقي المقدّس فينظر بنوره إليه، و هذا معنى قوله تعالى في الحديث القدسيّ: «ما لا عين رأت ...»[٢]- يعني: لقاء اللّه تعالى- «... و لا أذن سمعت ...»- يعني: كلام اللّه تعالى بلا واسطة الحروف و الصّوت- «... و لا خطر على قلب بشر ...»- يعني: ذوق الرّؤية و الخطاب- ثمّ حلّل ما حرّم اللّه، بتبديل السّيّئات إلى الحسنات، بتكرار أسماء التّوحيد كما قال اللّه تعالى: إِلَّا مَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ [الفرقان: الآية ٧٠]، ثمّ العتق من التّصرفات النّفسانيّة، ثمّ الأمن من الخوف و الحزن كما قال اللّه تعالى: أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) [يونس: الآية ٦٢]- رزقنا اللّه و إياكم- بفضله و كرمه، ثمّ طاف الصّدور بتكرار الأسماء كلّها، ثمّ الرّجوع إلى وطنه الأصليّ في عالم القدسيّ في أحسن التّقويم بملازمة الاسم الثّاني عشر، و هو متعلّق بعالم اليقين، و هذه التأويلات في دائرة اللّسان و العقل. و أمّا ما وراء ذلك فلا يمكن الإخبار عنه، لأنّه لا تدركه الأفهام و الأذهان، و لا تسع الخواطر في ذلك كما قال رسول اللّه ٦: «إنّ من العلم كهيئة المكنون لا يعلمها إلّا العلماء باللّه فإذا نطقوا به لم ينكره إلّا أهل الغرّة»[٣] فالعارف يقول ما دونه، و العالم باللّه يقول ما فوقه، فإنّ علم العارف سرّ اللّه تعالى، لا يعلمه غير اللّه تعالى كما قال اللّه تعالى: وَ لا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ [البقرة: الآية ٢٥٥]- أي:
الأنبياء و الأولياء- كما قال اللّه تعالى: فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَ أَخْفى (٧) اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى (٨) [طه: الآيتان ٧، ٨].
[١] - لم أقف عليه.
[٢] - تقدّم تخريجه.
[٣] - تقدّم تخريجه.