سر الأسرار و مظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار - الجيلاني، عبد القادر - الصفحة ٣١٨ - ذكر مناقب السادات المشايخ الذين أثنوا عليه الموعود بذكرهم رضي الله عنهم
إلى أن وصلنا إلى برية عظيمة فمسني الجوع فانقطعت عن الشيخ فالتفت إلي و قال لي: يا عمر قصرت عن المشي فقلت له: يا سيدي قد وقعت من الجوع فجعل الشيخ يلتقط من خرنوب الأرض الذي يبسته أم غيلان و يضعه في فمي فآكله فأجده رطبا فلما اكتفيت و قويت نفسي سار الشيخ فحدثتني نفسي بسبب الخرنوب فأخذت واحدة منه و وضعتها في فمي فمرمرت فمي فرميتها فالتفت إليّ الشيخ و قال: يا دبير فقلت:
نعم دبير، ثم سرنا غير كثير فأشرفنا على قرية و بقربها عين ماء و عندها شجرة و تحتها شاب أعمى أبرص زمن فلما رأيته ذكرت قول الشيخ و قلت في نفسي: إن كان لدعواه صحة فهو يبرئ هذا فالتفت إلي و قال: يا عمر أي شيء خطر ببالك فقلت: بحرمة موضع اللّه تعالى من قلبك و بحرمة عقيل المنبجي و الشيخ مسلمة إلا ما سألت اللّه تعالى أن يبرئ هذا الشاب فقال يا عمر لا تهتك سترنا فأقسمت عليه فنزل إلى العين و توضأ و خرج و استقبل القبلة و صلى ركعتين و قال له: إذا رأيتني سجدت و دعوت أمن علي فلما دعا أمنت على دعائه ثم قام و مر يده المباركة على الشاب و قال له: قم بإذن اللّه تعالى فقام يعدو كأن لم يكن به شيء و قال لأهل القرية اجتاز بي رجلان فأمر أحدهما يده علي فبرئت فانهال أهل القرية إلينا فلما رآهم الشيخ أجلسني بين يديه و غطاني بكمه فلم يرونا فلما رجعوا قام الشيخ و سار راجعا و تبعته قليلا و إذا نحن بالزاوية رضي اللّه عنه و روى عنه رضي اللّه عنه أنه كان على باب زاويته التي يجامع بارستق و كان حاضرا خلق كثير فأشار إلى الحادي فأنشد و قام الفقراء في السماع و شملتهم الطيبة فقام الشيخ و دخل الزاوية و شد وسطه و أخذ عكازه و خرج من الجامع و تبعه الناس فلم يزل سائرا إلى أن وصل مقبرة تعرف بروق بني فضل و هي قرية صغيرة بالقرب من بارستق فوقف على قبر هناك و استقبل الصلاة و كشف رأسه و جعل يدعو فكشف الناس رؤوسهم و أمنوا على دعائه ثم غطى رأسه و توجه راجعا إلى بارستق و الناس معه و دخل الجامع و جلس في زاويته فسألوه عن سبب خروجه فقال لمن كنت في السماع جاء رجل كنت أعرفه قد مات من قرية بني فضل و دخل الجامع و هو بالوزرة و القرف يعني الدرع فقلت في نفسي: هذا فلان الميت يبصره الفقراء و يبطلون السماع فلما رأيتكم ما تغيرتم تحققت أنكم ما رأيتموه فوقف بين يدي و قال لي: يا شيخ قد دفنوا البارحة عندنا رجلا كرديّا يسمى داود و من حين دفن ما نحن طيبين و لا لنا قرار من العذاب الذي نزل عليه فأما أن ترسم أن يحولوه عنا و إما أن تسأل اللّه تعالى أن يرفع العذاب عنه فما وسعني إلا أن قمت و مشيت إلى المقبرة و سألت اللّه تعالى فيه و أرجو أن اللّه قد قبل شفاعتي.