سر الأسرار و مظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار - الجيلاني، عبد القادر - الصفحة ٢٥ - الفصل الخامس في بيان التوبة و التلقين
و بعضهم بمنزلة العصبات، و بعضهم بمنزلة ذوي الأرحام موكّلون على قشور العلم بالدّعوة إلى سبيل اللّه تعالى بالموعظة الحسنة، و المشايخ السنيّة المتسلسلة سلسلتهم إلى عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه موكّلون بمغزى العلم على باب العلوم بالدّعوة إلى اللّه تعالى بالحكمة كما قال اللّه تعالى: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ جادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ... [النّحل: الآية ١٢٥] و قولهم في الأصل واحد، و في الفرع مختلف، و هذه المعاني الثّلاثة في الآية كانت مجموعة في ذات النّبيّ ٦، فلم يعط أحد بعده جملة ذلك، فقسّم على ثلاثة أقسام.
القسم الأوّل: و هو لبّها: و هو علم الحال، أعطي للرّجال، و همّة الرّجال به كما قال رسول اللّه ٦: «همّة الرّجال تقلع الجبال»[١]. و المراد من الجبال قساوة القلب يمحو بدعائهم و تضرعهم كما قال اللّه تعالى: ... وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ... [البقرة: الآية ٢٦٩].
و القسم الثّاني: قشر ذلك اللّبّ: أعطي للعلماء الظّاهرة، و هو الموعظة الحسنة، و الأمر بالمعروف و النّهي عن المنكر كما قال رسول اللّه ٦:
«العالم يعظ بالعلم و الأدب، و الجاهل يعظ بالضّرب و الغضب»[٢].
و القسم الثّالث: و هو قشر القشر؛ أعطي للأمراء، و هو العدل الظّاهريّ و السّياسة المشار إليه بقوله تعالى: وَ جادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النّحل: الآية ١٢٥] فلهم مظاهر القهر، و سبب صيانة نظام الدّين كالقشر الأخضر من الجوز، و مقام العلماء الظّاهر كالقشر الأحمر الشّديد، و مقام الفقراء من المتصوّفين العارفين هو المغزى المقصود من خلف الشّجر و هو اللّبّ؛ و لذلك قال رسول اللّه ٦: «عليكم بمجالسة العلماء، و استماع كلام الحكماء، فإنّ اللّه تعالى يحيي القلب الميت بنور الحكمة. كما يحيي الأرض الميتة بماء المطر»[٣] و قال رسول اللّه ٦: «كلمة الحكمة ضالّة الحكيم أخذها
[١] - أورده العجلوني في كشف الخفاء( ٢/ ٤٤) و قال: لم أقف عليه أنه حديث، لكن نقل بعضهم عن الشيخ أحمد الغزالي:« همة الرجال تقلع الجبال».
[٢] - لم أقف عليه.
[٣] - رواه الطبراني في الكبير( ٨/ ١٩٩)، و أبو نعيم في الحلية( ٨/ ٧٢)، و أورده المنذري في الترغيب و الترهيب( ١/ ٦٣).