سر الأسرار و مظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار - الجيلاني، عبد القادر - الصفحة ٢٤ - الفصل الخامس في بيان التوبة و التلقين
في مرآة القلب كما قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه: رأى قلبي ربّي- أي:
بنور ربّي. فالقلب مرآة لعكس جمال اللّه تعالى.
و هذه المشاهدة لا تحصل إلّا بتلقين شيخ واصل مقبول من السّابقين، ثمّ ردّ إلى تكميل النّاقصين بأمر اللّه تعالى، و بواسطة نبيّه ٦.
فإنّ الأولياء للخواصّ مرسلون لا للعوام، فرقا بين النّبيّ و الوليّ؛ فإن النّبيّ يرسل إلى العموم و الخواصّ جميعا مستقلّا بنفسه و الوليّ المرشد يرسل للخواصّ فقط غير مستقل بنفسه؛ فإنّه لا سعة إلّا بمتابعة النّبيّ، حتّى لو ادّعى الاستقلال كفر، و إنّما شبّه النّبيّ ٦ علماء أمّته بأنبياء بني إسرائيل لأنّهم كانوا متابعين لشريعة المرسل و هو موسى عليه الصّلاة و السّلام، لكنّ علماؤهم كانوا يجدّدونها، و يؤكدون أحكامها من غير إتيان بشريعة أخرى، فكذا علماء هذه الأمّة من الأولياء، يرسلون للخواصّ لتجديد الأمر و النّهي و استحكام العمل على التأكيد الأبلغ، و تصفية أهل الشّريعة. و هي في القلب موضع المعرفة، و هم يخبرون بعلم النّبيّ ٦ كأصحاب الصّفّة كانوا ينطقون بأسرار المعراج قبل عروج النّبيّ ٦ فالوليّ كامل الولاية المحمّديّة الّتي هي جزء النّبوّة، و باطنه أمانة عنده، و ليس المراد منه من ترسّم بظاهر العلم؛ لأنّه و إن كان من الورثة النّبويّة لكن هو من قبيل ذوي الأرحام، فالوارث الكامل من يكون بمنزلة الابن لأنّه من أقرب العصبات، فالولد سرّ الأب ظاهرا و باطنا، و لذلك قال رسول اللّه ٦: «إنّ من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلّا العلماء باللّه تعالى، فإذا نطقوا به لم ينكره إلّا أهل الغرّة»[١]. و هذا هو السّرّ الّذي استودع في قلب النّبيّ ٦ ليلة المعراج في أبطن البطون الثّلاثين ألفا، لم يفشها على أحد من العامّة سوى أصحابه المقرّبين و أصحاب الصّفّة رضوان اللّه تعالى عليهم أجمعين و نفعنا اللّه ببركاتهم و أفاض علينا من برّهم و إحسانهم آمين يا رب العالمين آمين و ببركة ذلك السّرّ قيام الشّريعة المطهرة إلى يوم القيامة.
فالعلم الباطن يهدي إلى ذلك السّرّ، و كلّ العلوم و المعارف كلّها قشر ذلك السّرّ، و أمّا العلماء الظّاهرة منهم ورثة السّرّ، بعضهم بمنزلة صاحب الفروض،
[١] - رواه الديلمي في مسند الفردوس( ١/ ٢١٠)، و أورده المنذري في الترغيب و الترهيب( ١/ ٥٨) و عزاه للسلمي في الأربعين في التصوف.