سر الأسرار و مظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار - الجيلاني، عبد القادر - الصفحة ٢١٢ - مقدمة المؤلف
و قال الشيخ بقية السلف أبو الغنائم مقدام البطايحي: جاء رجل من أصحاب الشيخ عبد القادر لزيارة الشيخ عثمان بن مروزة البطايحي، فقال له يا ولدي: الشيخ عبد القادر خير أهل الأرض في هذا الوقت رضي اللّه عنه. و قال الشيخ المعمر جرادة: ما رأت عيناي أحسن خلقا و لا أوسع صدرا و لا أكرم نفسا و لا أعطف قلبا و لا أحفظ عهدا و ودّا من سيدنا الشيخ عبد القادر و لقد كان مع جلالة قدره و علو منزلته وسعة علمه يقف مع الصغير و يوقر الكبير و يبدأ بالسلام و يجالس الضعفاء و يتواضع للفقراء و ما قام لأحد من العظماء و لا الأعيان و لا ألم بباب وزير و لا سلطان.
و قال البطايحي: دخلت على سيدنا و شيخنا الشيخ محيي الدين عبد القادر رضي اللّه عنه ببيته يوما فوجدت عنده أربعة أنفار و ما رأيتهم قبل ذلك فوقفت مكاني فلما قاموا من عنده قال الشيخ: الحقهم و اسألهم الدعاء لك، فلحقتهم في صحن المدرسة و سألتهم الدعاء فقال لي أحدهم: لك البشرى أنت خادم رجل ببركته يحرس اللّه الأرض سهلها و وعرها و برها و بحرها و بدعوته يرحم اللّه الخليقة برها و فاجرها و نحن سائر الأولياء في خفارة أنفاسه و تحت ظل قدمه و في دائرة أمره. ثم خرجوا فلم أرهم فرجعت إلى الشيخ متعجبا فقال لي قبل أن أخبره بشيء: يا عبد اللّه لا تخبر أحدا بما قالوا لك و أنا حي، فقلت: يا سيدي و من هؤلاء؟ فقال: رؤساء جبل قاف و هم الآن في مواضعهم رضي اللّه عنهم. و حكى محمد بن الخضر عن أبيه أنه قال: خدمت سيدي الشيخ عبد القادر ثلاث عشرة سنة فما رأيته فيها تمخط و لا تنخع و لا قعدت عليه ذبابة و لا قام لأحد من العظماء و لا ألم بباب ذي سلطان و لا جلس على بساطه و لا أكل من طعامه إلا مرة واحدة، و كان يرى الجلوس على بسط الملوك و من يليهم من العقوبات المعجلة و كان يأتيه الملك و الوزير و من له الحرمة الوافرة و هو جالس فيقوم و يدخل داره فإذا جلسوا خرج الشيخ من داره لئلا يقوم لهم و أنه ليكلمهم الكلام الخشن و يبالغ لهم في العظة و هم يقبلون يده و يجلسون بين يديه متواضعين متصاغرين و كان إذا كاتب الخليفة يكتب إليه عبد القادر يأمرك بكذا أو أمره عليك نافذ و طاعته عليك واجبة و هو لك قدوة و عليك حجة. فإذا وقف على ورقته قبلها و قال صدق الشيخ. و قال الشيخ الفقيه أبو الحسن: إن الوزير ابن هبيرة قال له الخليفة المقتفي لأمر اللّه محمد قد شكا من الشيخ عبد القادر قال: إنه يستخف بي و يذكرني و يقول للنخلة التي برباطه: يا نخلة لا تتعدي أقطع رأسك، و إنما يشير إلي امض إليه و قل له في خلوة ما يحسن بك أن تتعرض للإمام أصلا و أنت تعرف خدمة الخلافة قال