سر الأسرار و مظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار - الجيلاني، عبد القادر - الصفحة ١٣٠ - المقالة السادسة و الستون في الأمر بالدعاء، و النهي عن تركه
كن مخاصما للّه على نفسك مجادلا لها عنه عزّ و جلّ، و محاربا و سيافا و صاحب جنده و عسكره، فإنها أعدى عدو اللّه عزّ و جلّ، قال اللّه تعالى: يا داود اهجر هواك فإنه لا منازع ينازعني في ملكي غير الهوى.
المقالة السادسة و الستون في الأمر بالدعاء، و النهي عن تركه
قال رضي اللّه عنه و أرضاه: لا تقل لا أدعو اللّه، فإن كان ما أسأله مقسوما فسيأتي إن سألته أم لم أسأله، و إن كان غير مقسوم فلا يعطيني بسؤال، بل اسأله عزّ و جلّ جميع ما تريد و تحتاج إليه من خير الدنيا و الآخرة ما لم يكن فيه محرم و مفسدة لأن اللّه تعالى أمر بالسؤال له و حث عليه.
قال تعالى: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: الآية ٦٠]، و قال عزّ و جلّ: وَ سْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ [النّساء: الآية ٣٢]، وَ لا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ [النّساء: الآية ٣٢]. قال النبي صلى اللّه عليه و سلم: «اسألوا اللّه و أنتم موقنون بالإجابة»[١].
و قال صلى اللّه عليه و سلم: «اسألوا اللّه ببطون أكفكم»[٢] و غير ذلك من الأخبار. و لا تقل إني أسأله فلا يعطيني فإذا لا أسأله، بل دم على دعائه، فإن كان ذلك مقسوما ساقه إليك بعد أن تسأله، فيزيد ذلك إيمانا و يقينا و توحيدا، و ترك سؤال الخلق و الرجوع إليه في جميع أحوالك و إنزال حوائجك به عزّ و جلّ، و إن لم يكن مقسوما لك أعطاك الغناء عنه و الرضا عنه عزّ و جلّ بالقصص. فإن كان فقرا أو مرضا أرضاك بهما و إن كان دينا قلب الدائن من سوء المطالبة إلى الرفق و التأخر و التسهيل إلى حين ميسرتك أو إسقاطه عنك أو نقصه، فإن لم يسقط و لم يترك منه في الدنيا أعطاك عزّ و جلّ ثوابا جزيلا ما لم يعطك بسؤلك في الدنيا، لأنه كريم غني رحيم، فلا يخيب سائله في الدنيا و الآخرة فلا بد من فائدة، و نائلة إما عاجلا و إما آجلا، فقد جاء في الحديث: «المؤمن يرى في صحيفته يوم القيامة حسنات لم يعملها و لم يدر بها فيقال له أتعرفها؟ فيقول: ما أعرفها من أين لي هذه؟ فيقال له: إنها بدل مسألتك التي سألتها في دار الدنيا» و ذلك أنه بسؤال اللّه عزّ و جلّ يكون ذاكرا للّه و موحدا و واضع الشيء في موضعه، و معطي الحق أهله، و متبرئا من حوله و قوته،
[١] - رواه الترمذي( ٥/ ٥١٧)، و الحاكم في المستدرك( ١/ ٦٧٠)، و أحمد في المسند( ٢/ ١٧٧).
[٢] - رواه الحاكم في المستدرك( ١/ ٧١٩)، و البيهقي في الكبرى( ٢/ ٢١٢)، و أبو داود( ٢/ ٧٨).