سر الأسرار و مظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار - الجيلاني، عبد القادر - الصفحة ١٢٥ - المقالة الستون في البداية و النهاية
النعمة و السعة و الفرحة و السرور، كما كان في حق نبي اللّه أيوب عليه و على نبينا أفضل الصلاة و أشرف السلام، كما يذهب سواد الليل و يأتي بياض النهار، و يذهب برد الشتاء و يأتي نسيم الصيف و طيبه لأن لكل شيء ضدّا و خلافا و غاية و بدءا و منتهى، فالصبر مفتاحه و ابتداؤه و انتهاؤه و جماله كما جاء في الخبر «الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد». و في لفظ «الصبر الإيمان كله». و قد يكون الشكر هو التلبس بالنعم و هي أقسامه المقسومة لك، فشكر التلبس بها في حال فنائك، و زوال الهوى و الحمية و الحفظ، و هذه حالة الأبدال و هي المنتهى، اعتبر ما ذكرت لك ترشد إن شاء اللّه تعالى.
المقالة الستون في البداية و النهاية
قال رضي اللّه تعالى عنه و أرضاه: البداية. هي الخروج من المعهود إلى المشروع ثم المقدور، ثم الرجوع إلى المعهود. و يشترط حفظ الحدود، فتخرج من معهودك من المأكول و المشروب و الملبوس و المنكوح و المسكون و الطبع و العادة إلى أمر الشرع و نهيه، فتتبع كتاب اللّه و سنة رسوله صلى اللّه عليه و سلم كما قال اللّه تعالى: وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر: الآية ٧]، و قال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران: الآية ٣١] فتفنى عن هواك و نفسك و رعونتها في ظاهرك و باطنك فلا يكون في باطنك غير توحيدك له و في ظاهرك غير طاعة الله و عبادته مما أمر و نهى، فيكون هذا دأبك و شعارك و دثارك في حركتك و سكونك، في ليلك و نهارك، و سفرك و حضرتك، و شدتك و رخائك، و صحتك و سقمك، و أحوالك كلها، ثم تحمل إلى وادي القدر فيتصرف فيك القدر، فتفنى عن جدك و اجتهادك و حولك و قوتك، فتساق إليك الأقسام التي جف بها القلم و سبق بها العلم، فتلبس بها و تعطي منها الحفظ و السلام فتحفظ فيها الحدود و يحصل فيها الموافقة لفعل المولي، و لا تتخرق قاعدة الشرع إلى الزندقة و إباحة المحرم قال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٩) [الحجر: الآية ٩]، و قال تعالى: كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَ الْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ [يوسف: الآية ٢٤] فتصحب الحفظ و الحمية و إنما هي أقساما معدة لك، فحبسها عنك في حال سيرك و طريقك و سلوكك فيافي الطبع و مفاوز الهوى المعهود، لأنها أثقال أحمال ما زيحت عنك، لئلا يثقلك فتضعفك إلى حين الوصول إلى عتبة