الإثنا عشريات الخمس - الشیخ البهائي - الصفحة ١٩ - نماذج من نثره
عمره، و هو تأكيده على تفاهة العلوم و الفنون فيما لو خلّت من المعرفة، فعلى الرغم من كونه أستاذا بارعا في كثير من العلوم إلّا أنّه استهزء بها في أشعاره و أكّد على أنّ العلوم في ذاتها لا يمكنها أن تكون منجية للبشر، بل أنّ النجاة تحصل بالتقوى و حبّ الائمة المعصومين عليهم السّلام.
و رجل عظيم كهذا الذي قضى كلّ عمره في كسب العلوم و تحصيله، ذكر في نهاية المطاف بأنّ ثمرة عمر كامل من الجهود المضنية و السعي الحثيث كانت يدين خاليتين و حبّ طافح.
و هذه المطالب التي ذكرناها يمكن ملاحظتها بعد الدّقة و التأمّل في أشعار الشيخ، و نذكر هنا بعض أشعاره و نماذج بديع نثره حتى لا يكون هناك مبالغة فيما ذكرناه.
نماذج من نثره:
- المعانى تسافر من مدينة القلب الإنساني إلى قرية الإقليم اللساني فتلبّس هناك ملابس الحروف و تتوجّه تلقاء مدين الأعلام من الطريق المعروف، و سيرها على نوعين: أمّا كسليمان ٧ فتسير على التموّجات الهوائيّة بأفواه المتكلّمين و الهوات المترنّمين إلى أمصار أصماخ السامعين، و أمّا كالخضر ٧ في ظلمات المداد لاسبة للسواد فتسير في مراحل أنامل الكاتبين إلى مداد أعين الناظرين، و إذا وصلت بالسير الأوّل إلى سبا بلقيس السامعة، و انتهت بالسير الثاني إلى عين حياة الباصرة، عطفت عنان التوجّه من عوالم الظهور و الإنحلاء بنيّة العود إلى مكامن الكمون و الخفاء، حتى إذا نزلت في محروسات آذان السامعين قلّت في مأنوسات مشاعر الناظرين، و نزعت ملابسها الجزئيّة فتجرّدت عن ملابسها الهيولائيّة و سكنت في مواطنها القلبيّة، و رجعت بعد قطع تلك المسالك إلى ما كانت عليه قبل ذلك كما بدأكم تعودون إلى ما كنتم عليه تؤوبون، إنزل مقامك فهو أوّل موطن سافرت منه إلى جهات العالم[١].
- و قوله سانحة: قد جرى ذكرى يوما من الأيّام في بعض المجالس العالية و المحافل المساميه، فبلغني أنّ بعض الحضّار ممن يدّعي الوفاق و عادته النفاق و يظهر
[١]- سلافة العصر: ٢٩٢.