التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٢٢ - لا شعوبية في الإسلام
واحدة، و الى هذا الميزان يتحاكم البشر، و الى هذه القيمة يرجع اختلاف البشر في الميزان.
و هكذا تتوارى جميع أسباب النزاع و الخصومات في الأرض، و ترخص جميع القيم التي يتكالب عليها الناس، و يظهر سبب ضخم واضح للالفة و التعاون:
الوهية اللّه للجميع، و خلقهم من أصل واحد.
كما يرتفع لواء واحد يتسابق الجميع ليقفوا تحته: لواء التقوى في ظلّ اللّه.
و هذا هو اللواء الذي رفعه الإسلام لينقذ البشرية من عقابيل العصبيّة للجنس، و العصبية للأرض، و العصبية للقبيلة، و العصبية للبيت. و كلّها من الجاهلية و إليها، تتزيّا بشتى الأزياء، و تسمّى بشتى الأسماء. و كلّها جاهلية عارية من الاسلام.
و قد حارب الإسلام هذه العصبية في كلّ صورها و أشكالها، ليقيم نظامه الانساني العالمي في ظلّ راية واحدة: راية اللّه، لا راية الوطنية، و لا راية القومية، و لا راية البيت، و لا راية الجنس. فكلّها رايات زائفة لا يعرفها الاسلام.
قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «كلّكم بنو آدم، و آدم خلق من تراب. و لينتهينّ قوم يفخرون بآبائهم، أو ليكونوا أهون على اللّه تعالى من الجعائل».
و قال صلّى اللّه عليه و آله عن العصبية الجاهلية: «دعوها فإنها منتنة».
و هذه هي القاعدة التي يقوم عليها المجتمع الإسلامي، المجتمع الانساني العالمي، الذي تحاول البشرية في خيالها المحلّق أن تحقق لونا من ألوانه فتخفق، لأنها لا تسلك إليه الطريق الواحد المستقيم، الطريق الى اللّه، و لأنّها لا تقف تحت الراية الواحدة المجمعة: راية اللّه[١].
و روي: أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله خطب الناس يوم فتح مكّة، و هو على راحلته، فحمد اللّه و أثنى عليه بما هو أهله، ثمّ قال:
[١] تفسير في ظلال القرآن: ج ٢٦ ص ١٤١، مجمع البيان: ج ٧ ص ٥٣٧.