التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٦١ - عقيدة اليونان الأساطيرية
يعدى بقذارته أو «يلبسه ذلك الروح الغريب نفسه». و ليست المكروبات و البكتريا إلّا صورا جديدة شائعة لما كان اليونان يسمّونه كريس أو الجنّ الصغيرة. و من ثمّ كان الميّت «نجسا» لأنّ الجنّي قد استحوذ عليه كلّ الاستحواذ. و كان اليوناني اذا خرج من بيت فيه ميّت رشّ نفسه بالماء من إناء يوضع لهذا الغرض عند باب البيت. و ذلك لكي يطرد من جسمه الروح الذي غلب الميّت على أمره.
و كان الجماع من أسباب النجاسة، كولادة الطفل أو القتل (و لو كان غير متعمّد). و كان الطفل المولود نفسه نجسا، و لم يكن الجنون إلّا حلول روح غريب في جسم المصاب به، و كان يقال: إنّ المجنون قد خرج عن نفسه. و كان لا بدّ في هذه الحالات من القيام باحتفال يطهر فيه الشخص النجس.
و كانت المنازل و الهياكل و المدن بأجمعها في بعض الأحيان تطهر بالماء أو الدخان، و كان وعاء به ماء نظيف يوضع عند مدخل كلّ هيكل، حتّى يطهر به نفسه كلّ قادم للتعبّد، أو لعلّ هذا الدعاء كان رمزا يوحي الى الناس بضرورة التطهّر.
و كان الكاهن نفسه خبيرا باصول التطهير، و كان في مقدوره أن يطرد الأرواح الشرّيرة من الأجسام بالضرب على إناء من البرنز، أو بقراءة العزائم، أو بالسحر أو الصلاة. و حتّى قاتل النفس عمدا كان يمكن تطهيره اذا اجريت له الطقوس و المراسم الملائمة. و لم تكن التوبة ضرورة محتومة في مثل هذه الأحوال، بل كلّ ما كان يحتاجه المتطهّر هو أن يتخلّص من الشيطان الشرّير الذي تقمّصه، و ذلك لأنّ الدين لم يكن أمر أخلاق عند اليونان بقدر ما كان فنّا لمعالجة امور الأرواح.
*** يقول ثيموفراستوس في كتابه «الأخلاق»: يبدو أنّ الإيمان بالخرافات ضرب من الجبن و خور العزيمة أمام القوّة الإلهية. إنّ الرجل المخرف لا يخرج من داره أو النهار إلّا بعد أن يغسل يديه و يرشّ نفسه بالماء من العيون التسع، و يضع