التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٣٣ - الرتق و الفتق في السماوات و الأرض
و كلّ واحدة منها آية تدلّ على أنّه واحد، و هم عن آياتها معرضون. و عليه فكما أنّ جعل الجبال أوتادا لا مساس له بمسألة الفتق و الرتق كذلك جعل الماء منشأ الحياة كلّها، سوى أنّ الجميع آيات ربّ العالمين.
و قد بحثنا عن الآيات الثلاث الاخرى كلّا في مجاله.
و نظرة تفرّع الموجودات من أصل واحد فتقا بعد رتق نظرة قديمة، حدّث بها التوراة في أصل التكوين أيضا. قال الإمام الرازي- في تأويل قوله تعالى «أو لم ير الذين كفروا»-: كانت اليهود و النصارى و من يليهم من المشركين عالمين بذلك، فإنّه جاء في التوراة: إنّ اللّه تعالى خلق جوهرة، ثمّ نظر إليها بعين الهيبة فصارت ماء، ثمّ خلق السماوات و الأرض منها و فتق بينها[١].
قال الاستاذ الطنطاوي: لم تظهر هذه العلوم- عن أصل السماوات و الأرض بهذه الصورة التي كشفت النقاب عن قسم وفير من إعجاز القرآن العلمي- إلّا على يد من كفروا بدين الاسلام، و المسلمون لا يعلمون إلّا من الفرنجة، فنحن نكتب ذلك عنهم، فصدق اللّه و جاءت المعجزات القرآنية تترى في عصر العلم[٢].
و قد رجّح سيّدنا الطباطبائي هذا المعنى و قرّبه، قال: لا نزال نشاهد انفصال المركّبات الأرضية و الجويّة بعضها من بعض، و انفصال أنواع النبات من الأرض، و الحيوان من الحيوان، و الإنسان من الإنسان. و ظهور المنفصل بالانفصال في صور جديدة لها آثار و خواصّ جديدة، بعد ما كان متّصلا بأصله الذي انفصل عنه، غير مميّز الوجود و لا ظاهر الأثر و لا بارز الحكم، فقد كانت هذه الفعليّات كامنة الوجود في القوّة، مودعة الذوات في المادّة، رتقا من غير فتق، حتّى فتقت
[١] التفسير الكبير: ج ٢٢ ص ١٦٢. و هذه العبارة محذوفة من أول التوراة الحاضرة، و إنّما تبتدئ بما بعد خلق السماوات و الأرض. و الآية المذكورة ٣٠ من سورة الأنبياء.
[٢] تفسير الجواهر: ج ١٠ ص ١٩٩.