التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٧٤ - نظرة الأطباء القدامى
منيّ الانثى فيه مبدأ التصوّر. و أنّ اسم المني اذا قيل عليهما كان باشتراك الاسم، إلّا أن يحتمل معنى جامع و يسمّى له الشيء منيّا، و أمّا في المعنى الذي يسمّى به دفق الرجل منيّا فليس دفقا الانثى منيّا، و بالحقيقة فإنّ منيّ الرجل حارّ نضيج ثخين، و منيّ المرأة من جنس دم الطمث نضيج يسير أو استحال قليلا و لم يبعد عن الدموية بعد منيّ الرجل، فلذلك يسمّيه الفيلسوف المتقدّم طمثا.
و يقولون: إنّ منيّ الذكر اذا خالط فعل بقوّته و لم يكن لجرميّته كبير مدخل في تقويم جرمية بدن المولود، فإنّ ذلك من منيّ الانثى و من دم الطمث، بل أكثر غنائه في جرمية روح المولود، و إنّما هو كالأنفحة الفاعلة في اللبن، و أما منيّ الانثى فهو الاسّ لجرمية بدن المولود.
و قال ابقراط: إنّ جمهور مادّة المني هو من الدماغ، و إنّه ينزل في العرقين اللذين خلف الاذنين، و لذلك يقطع فصدهما النسل و يورث العقر[١].
و لم يعرف جالينوس هل يورث قطع هذين العرقين العقر أم لا؟
و أنا أرى أنّ المني ليس يجب أن يكون من الدماغ وحده، و إن كانت خميرته من الدماغ، و صحّ ما يقوله ابقراط من أمر العرقين، بل يجب أن يكون له من كلّ عضو رئيس عين، و أن تكون الأعضاء الاخرى ترشّح أيضا الى هذه الاصول، و بذلك يكون الشبه[٢].
قال القرشي- شارح كتاب القانون- في شرح عبارة الشيخ الأخيرة:
إنّما يكون تولّد المني من الرطوبة المبثوثة على الأعضاء كالطلّ، و هي تتبخّر حتى تتصعّد الى الدماغ، و هناك تفارقها الحرارة المتبخّرة فتبرد و تتكاثف و تعود الى قوامها، ثمّ من هناك ينزل الى العروق التي خلف الاذنين و ينفذ الى النخاع في
[١] قال القمّي- في تفسير قوله تعالى: لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ الحاقّة: ٤٨-: عرق في الظهر يكون منه الولد( التفسير: ج ٢ ص ٣٨٤).
[٢] القانون في الطبّ: المقالة الاولى من الفن العشرين ج ٢ ص ٥٣٢- ٥٣٤.