التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٧ - الباب الثاني في الإعجاز العلمي
قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَ لَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً[١]، وَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً[٢].
نعم، إنّها شذرات بدت من طيّ كلامه تعالى، و رشحات فاضت من عرض بيانه، كانت عظيمة و فخيمة، كلّما تقدّمت ركب الحضارة، و تألّق نجم العلم و المعرفة على آفاق الوجود، و إذا بالقرآن يسبق الانسان بخطوات، و لا يكاد يلحق أذياله في هذا المسير وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ[٣].
و هذا نظير ما يؤثر عن مولانا أمير المؤمنين عليه السّلام من كلمات جاءت في عرض كلامه، و هي تنمّ عن خضمّ بحر متلاطم أمواجه، بعيد أغواره، أو كما
قال هو عليه السّلام: ينحدر عنّي السيل و لا يرقى إليّ الطير.
فمن ذلك
قوله في عجائب خلقة الإنسان: اعجبوا لهذا الإنسان ينظر بشحم، و يتكلّم بلحم، و يسمع بعظم، و يتنفّس من خرم[٤].
كان علم التشريح[٥] القديم يرى من طبلة الاذن[٦] العضو الأساسي لآلة السمع، و ذلك بتذبذب يحصل فيه على أثر الموج الصوتي الوارد عليه، و على أثره يحصل تموّج في الهواء الراكد المحفوظ في حفرة الصماخ خلف هذا الغشاء، و هذا التموّج يؤثر في العصب الدماغي المفروش على سطح الصماخ الباطني، و بذلك ينتقل الصوت الى مركزه في المخّ و يحصل السماع[٧].
[١] الكهف: ١٠٩.
[٢] الطلاق: ١٢.
[٣] النحل: ٨٩.
[٤] نهج البلاغة: قصار كلماته رقم ٨.
[٥] علم وظائف الأعضاء، و قد شرحه ابن سينا في القانون: ج ١ ص ٢٤ فما بعد.
[٦] هو الغشاء الفاصل بين التجويفين الداخلي و الظاهري للاذن.
[٧] قال ابن سينا بصدد تشريح الاذن: الاذن عضو خلق للسمع و جعل له صدف معوجّ ليحبس جميع الصوت و يوجب طنينه، و ثقب يأخذ في العظم الحجري ملولب معوجّ ليكون تعويجه مطولا لمسافة الهواء الى داخل مع قصر تحته. و ثقب الاذن يؤدّي الى جوبة( حفرة) فيها هواء راكد و سطحها مفروش بليف العصب الدماغي. فإذا تأدّى الموج الصوتي الى ما هناك أدركه السمع. و الصماخ كالثقبة العنبيّة المشتملة على الهواء الراكد الذي يسمع الصوت بتموّجه.( القانون: ج ٢ ص ١٤٨- ١٤٩ الفن الرابع في أحوال الاذن).
و قال عند تشريح العصب الدماغي: تنبت من الدماغ أزواج من العصب سبعة ... و أمّا الزوج الخامس فكلّ فرد منه ينشقّ بنصفين على هيئة المضاعف، و منبته من جانبي الدماغ، و القسم الأول من كلّ زوج منه يعمد الى الغشاء المستبطن للصماخ فيتفرق فيه كلّه. و هذا القسم منبته بالحقيقة من الجزء المؤخّر من الدماغ و به حسّ السمع.( القانون: ج ١ ص ٥٤- ٥٥).