التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦٠ - أصل الانسان
إيجاد جهاز بالغ التعقيد كالعقل البشري.
و إذا فرضنا أنّ الإنسان بدأ مع ظهور الحياة الاولى فإنّ وجوده يرجع إلى ٤٠٠ مليون سنة أو أكثر. أمّا إذا قبلنا النظرية الثانية فإنّه يكون قد وجد بعد ذلك، أو في أيّ وقت نتيجة للمشيئة الإلهية. أما إذا قبلنا الفرض الثالث فإنّنا لا يمكننا أن نحدّد تاريخ الأول وجوده كإنسان إلّا بما يرجع بنا ملايين عدّة من السنين.
و قد أمكن تتبّع تاريخ الإنسان كإنسان بالأدلّة الكافية لإقناع العلماء لمدّة مليون سنة مضت، و لكن هذا حدّ أدنى متّفق عليه، أمّا قبل ذلك فإنّ تطوّره- مهما يكن الحيوان الذي تطوّر منه- يرجع إلى قدم لا يصل إليه حسبان البشر.
و يوجد في المتحف الأمريكي للتاريخ الطبيعي بنيويورك حصان أثري ذو ثلاث أصابع، و هو حيوان صغير كان لا ريب سريع العدو. و لا شكّ أنّه كان حصانا، غير أنّ تطوّر إلى الحصان الجليل الحالي الذي يجري على ما نسمّيه حافرا تطوّر من إصبع قد تطلب ملايين السنين. فإذا اتّخذنا من ذلك معلما للطريق فلنقدّر إذا الزمن الذي تطلّبه الإنسان حتى تطوّرت يداه و عيناه و ذهنه، و بذا صار حيوانا طفيفا و رفعه ذلك إلى كيانه الحالي.
و الآن نعود فنقتبس التقلّبات التي مرّ بها هذا المخلوق الصغير الأعزل من وسائل الدفاع، و إن يكن حقّا سريع الحركة فإنّه معرّض للخطر من كلّ مخلوق يأكل اللحم، و من كلّ زاحف سامّ، و من كلّ جسم يحدث المرض. و كان عليه أن يعني بصغاره زمنا طويلا من عجزهم، فإنّ أطفال الإنسان تولد عديمة الحول و الحيلة، و هي تأتي تباعا و بذا قد يصبح عدّة أطفال عاجزين، في حاجة إلى الغذاء و الوقاية في وقت واحد. و هذا يضاعف عجيبة بقاء الإنسان في خلال الدهور! فقد عاش خلال تغيّرات كالعصر الثلجي و في كلّ طور آخر من أطوار الحياة المرحومة الوقاية. و هذا ينطبق طبعا على جميع الحيوانات الاخرى.
و إنّه لمن معجزات العناية الإلهيّة أن استطاعت هذه المخلوقات أن تثبت أمام تلك