التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٣ - كيف بدأت الحياة؟
لأنفسنا الوقائع المعترف بها. و بذا يمكننا أن نحكم، و أمامنا الموضوع كاملا.
و بهذه الطريقة يمكننا أن نعلم إن كنت أنا أو أنت مجرّد مجموعة عرضية من المادّة، تولّدت عن الكيمويات و الماء و الوقت، أولا.
انظر إلى الشيء الهامّ الوحيد؛ إنّه أهمّ من الأرض نفسها و من الكون كلّه. و أهمّ من كلّ شيء آخر- ما عدا الخالق المدبّر الذي كان السبب في وجود ذلك الشيء- و أعني تلك النقطة من النطفة (البروتوبلازم)[١] التي لا تكاد ترى، و هي شفّافة لزجة (كالجيلاتين) قادرة على الحركة، تستمدّ نشاطها من الشمس. و هي بالفعل كفء لاستخدام ضوء الشمس في عزل ثاني اوكسيد الكربون من الهواء، مرغمة الذرّات على الانفصال، قابضة على الهيدروجين من الماء، و منتجة لهيدرونات الكربون، و بذا تعدّ غذاءها بنفسها من أحد المركّبات الكيموية العنيدة للغاية.
إنّ هذه الحلبة الفريدة- هذه النقطة الصغيرة الشفّافة التي تشبه الطلّ- تحتوي في نفسها على جرثومة الحياة، و بها القدرة على توزيع هذه الحياة على كلّ كائن حيّ، كبيرا كان أو صغيرا، و على مطابقة كلّ مخلوق لبيئته حيثما يمكن وجود الحياة، من قاع المحيط إلى السماء. و قد صاغ الزمن و البيئة شكل كلّ كائن حيّ بحيث يتّفق مع أنواع الظروف المتعدّدة. و عند ما تكوّن هذه الكائنات الحيّة شخصيّتها الفردية فإنها تكون قد ضحت ببعض مرونتها و قابليتها للتغيّر، و أصبحت مخصّصة و ثابتة، و قد فقدت القدرة على العودة إلى الوراء و لكنّها كسبت مزيدا من المواءمة مع الظروف التي وجدت فيها.
إنّ قوى هذه النقطة الصغيرة من النطفة (البروتوبلازم) و محتوياتها كانت و لا تزال أعظم من الزرع الذي تخضّر به الأرض، و أعظم من كلّ الحيوانات التي
[١] البروتوبلازم هي المادّة الزلالية الحيّة التي تتكوّن منها خلية الأجسام النباتية و الحيوانية، و قد رأينا أن نترجمها بكلمة« النطفة».