التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٩ - ما هي الحياة؟
و الحياة قد جعلت الإنسان وحده سيّدا على تموّجات الصوت مجتمعة و زوّدته بمادّة إنتاجها: فالمزمار و البوق و القيثار، و كذا شعر الخيل، و الشمع الذي يمسح به قوس الكمان، و رجع الصدى من قيثارة الأوركسترا المصنوعة من الخشب، و الصوت المنخفض المزدوج الذي هو كصوت الخنزير، و طرقة الجلد على الطبل، كلّ اولاء مدينة بالفضل للحياة!.
و الحياة مهندسة، فهي التي وضعت تصميم سيقان الجندب (النطيط) و البرغوث، و العضلات و الروافع، و المفاصل، و القلب الذي يخفق دون كلل، و نظام الأعصاب الكهربية لكلّ حيوان، و الدورة الدموية الكاملة لكلّ كائن حيّ.
و هي تصمم الهندباء البرّية، ثمّ تزخرف بذورها في (شرابات) يحملها كلّ نسيم. و الحياة تشكّل الأزهار، و ترغم الحشرات على أن تحمل اللقاح من عضو التذكير إلى عضو التأنيث.
و الحياة كيموية، فهي التي تهب المذاق للفواكه و التوابل و تهب العطر للورد.
و الحياة تركّب مواد جديدة لم تجهزها الطبيعة بعد، لموازنة عمليّاتها و القضاء على الحياة المغيرة.
و الحياة تهب الضوء البارد «للذباب المنير» ليعاونه على بثّ غرامه ليلا.
و كيميا الحياة فائقة، لأنّها لا تقنع باستخدام أشعّة الشمس لتحويل الماء و حامض الكربون إلى خشب و سكّر، بل إنها إذ تفعل ذلك تطلق الاوكسيجين كي تتنسّم الحيوانات نسيم الحياة.
و الحياة مؤرّخة، فقد كتبت تاريخها صفحة صفحة، تاركة سجلّها في الصخور، و هو تاريخ كتبته بنفسها و لا ينتظر إلّا الترجمة.
و الحياة تمنح مخلوقاتها الفرح لكونها حيّة، فالحمل يرتع و يقفز، و هو لا يدري لما ذا.
و الحياة تلوّن عيني الطفل و تمنحها بريقا، و تصبغ خدّيه، و تبعث بالضحك