التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٩٥ - (ثانيا) طريقة التفكير و اسلوبه
يشترط في الدليل أيضا أن يكون علما أي أمرا يقينيا، لأنّ غير العلم لا يجدي و لا ينتج المطلوب، قال تعالى: وَ إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً[١].
ثمّ إذا استقرّ الحقّ و ثبت الأمر بالبرهان و الدليل القاطع فلا بدّ حينئذ من التصديق به و اعتماده، و الإقرار به، قال تعالى: فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ[٢]، و هنا لفتة بارعة في ضرورة استثمار الحقيقة و الانصياع اليها.
و هكذا، فإنّ القرآن الكريم عند ما يضع بين أيدينا مثل هذا المنهج و يدعونا الى التمسّك به فلكي ينتهي الانسان الى حالة الاطمئنان (الطمأنينة الداخلية) فيزيح عن نفسه و عن عقله كلّ و هم و خرافة و شكّ، فيعيش حينئذ هادى البال يسهم في البناء و التقدّم في الحياة الانسانية غير مضطرب و لا مشدود الأعصاب، و عند ذاك يكون القرآن قد أرسى مرتكزا أساسيا من مرتكزات البناء الحضاري و في تخليص الانسان من الهواجس و الظنون من خلال التأكيد على اعتماد المنهج العلمي في التفكير، فضلا عمّا يعنيه ذلك أيضا من تعميم المعرفة و شموليّتها و عدم اقتصارها على قطّاع أو طائفة أو طبقة معيّنة، و هذه قيمة حضارية كبرى و ميزة عظيمة ينفرد بها القرآن الكريم في إطار نظريته في المنهجة و التقنين.
إنّ القرآن الكريم يتّجه فعلا- و في سبيل إثبات مصداقيّته في وفائه بالحاجات الأساسية، و تنظيم العلاقات داخل الإطار الاجتماعي- الى تقديم اطروحته فيحدّد القواعد الملزمة و المناهج العملية في هذا الإطار بشكل قوانين حقوقية أو جزائية و ما شاكل.
و القاعدة القانونية باعتبارها قاعدة سلوك و نظام يتحتّم الخضوع لها. أمّا مضمون القاعدة من الناحية العملية فهو تخويل الفرد حقّا أو فرض واجب عليه[٣].
[١] النجم: ٢٨.
[٢] يونس: ٣٢.
[٣] مبادئ القانون للدكتور عبد المنعم فرج الصدّة: ٦( دار النهضة العربية، بيروت، ١٩٧٧ م).