التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٩٣ - (ثانيا) طريقة التفكير و اسلوبه
تغييب العقل و التعقّل، على الرغم من اهتمامه بالمعرفة التي مصدرها الوجدان الداخلي و الإدراك الخاصّ، قال تعالى: أَ فِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ ...[١].
و هكذا نجد أنّ القرآن عند ما يفرغ من عملية استنهاض و حثّ منطق الوجدان في أية عملية تأمّل نجده أيضا في عين الوقت يدعو الى اعتماد الأدلّة و البراهين الفلسفية و العلمية في إثبات المطالب.
إنّ القرآن يقدّم لنا أيضا عيّنة من هذه البراهين، و يترك مساحة مناسبة لحركة العقل و الاستعانة بالحواس. و هذا أساس آخر من اسس المنهج:
قال تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ[٢].
و قال تعالى: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَ سَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا وَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى* كُلُوا وَ ارْعَوْا أَنْعامَكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى[٣] أي لذوي العقول.
و قال تعالى: وَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا[٤].
إنّ القرآن الكريم من خلال ذلك كلّه يريد أن يقول لنا: إنّ البحث و التأمّل في الآفاق و في الأنفس و في ما حولنا يجب أن يلتزم البرهان و الدليل و يتوسّل بالحسّ و التجربة كلّما أمكن ذلك، قال تعالى: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ[٥].
و لكن ما هي الخطوات التي يمكن أن تتبع للوصول الى الحقائق و تأسيس القناعة المطلوبة فيكون المنهج الذي يحدّده القرآن و يضعه بين أيدينا منهجا علميا منتجا.
[١] إبراهيم: ١٠.
[٢] آل عمران: ١٩٠.
[٣] طه: ٥٣ و ٥٤.
[٤] آل عمران: ١٩١.
[٥] فصّلت: ٥٣.