التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٧ - هل وقع التحدي بالجانب العلمي؟
فهموه أدركوا جماله و مسّ قلوبهم بتأثيره ... و هذا ما نجده عنصرا مستقلّا بنفسه كافيا لإثبات فكرة الإعجاز و خلود القرآن، باسلوبه الذي يعلو و لا يعلى. أمّا ما يتساوق مع هذا العنصر الجمالي الفنيّ الرائع من الأغراض الدينيّة و العلمية- التي توسّع فيها بعضهم[١]- كاشتمال القرآن على العلوم الدينية و التشريعية، و تحقيقه مسائل كانت مجهولة للبشر، و عجز الزمان عن إبطال شيء منه. فهي امور لا سبيل الى إنكارها، بل يقوم عليها من الأدلّة و البراهين ما لا يحصى. غير أنّها أدخل في معاني الفلسفة القرآنية منها في بلاغة القرآن، و ليست هي مادّة التحدّي لفصحاء العرب، و إنما تحدّى القرآن العرب بأن يأتوا بمثل اسلوبه، و أن يعبّروا بمثل تعبيره، و أن يبلغوا ذروته التي لا تسامى في التصوير. فما إعجاز هذا الكتاب الكريم إلّا سحره، و لقد فعل سحره هذا فعله في القلوب في أوائل الوحي، قبل أن تنزل آياته التشريعية و نبوءاته الغيبية و نظرته الكليّة الكبرى الى الكون و الحياة و الإنسان[٢].
و يسترسل أبو حجر في كلامه: إذا كنّا لا نجد تناقضا بين الآيات الكونيّة المذكورة في القرآن و بين ما يكتشفه العلم في حاضره و مستقبله- بل نجد توافقا و انسجاما- فليس ذلك دليلا على إعجازه المرتبط بالتحدّى، بل هو دليل على أنّه منزل من عند اللّه تعالى.
و ليس كلّ ما نزل من عند اللّه معجزا، فالتوراة و الإنجيل و غيرهما من الكتب السماوية نزلت من عند اللّه، و لم توصف بالإعجاز كما وصف القرآن، و لم يقع بها التحدّي كما وقع بالقرآن! و أيضا فإنّ الآيات الكونية التنزيلية لا تشمل سور القرآن كلّها و لا آياته جميعها، و إنّما تقع فقط في بعض السور و في بعض الآيات ... و معلوم أنّ التحدّي
[١] انظر تفسير المنار: ج ١ ص ٢١٠- ٢١٢ الوجه السابع من وجوه الإعجاز التي ذكرها بمنتهى الاختصار و الإيجاز، و قد جرى على هذا الزرقاني في مناهل العرفان: ج ٢ ص ٣٥٣- ٣٦١.
[٢] مباحث في علوم القرآن: ص ٣٢٠- ٣٢١.