التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٦٨ - القرآن في تشريعاته الراقية
«و ليخش الّذين لو تركوا من خلفهم ذريّة ضعافا خافوا عليهم فليتّقوا اللّه ...».
و هكذا تمسّ اللمسة الاولى شغاف القلوب، قلوب الآباء المرهفة الحسّاسة تجاه ذرّيتهم الصغار. بتصوّر ذرّيتهم الضعاف مكسوري الجناح، لا راحم لهم و لا عاصم، كي يعطفهم هذا التصوّر على اليتامى الذين وكّلت إليهم أقدارهم، بعد أن فقدوا الآباء. فهم لا يدرون أن تكون ذرّيتهم غدا موكولة الى من بعدهم من الأحياء، كما وكّلت إليهم أقدار هؤلاء.
مع توصيتهم بتقوى اللّه فيمن ولّاهم اللّه عليهم من الصغار، لعلّ اللّه أن يهيّئ لصغارهم من يتولّى أمرهم بالتقوى و التحرّج و الحنان.
«إنّ الّذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنّما يأكلون في بطونهم نارا و سيصلون سعيرا».
و هذه هي اللمسة الاخرى، صورة مفرغة، صورة النار في البطون، و صورة السعير في نهاية المطاف. إنّ هذا المال. نار، و إنّهم ليأكلون هذه النار، و إنّ مصيرهم لإلى النار. فهي النار تشوي البطون و تشوي الجلود، هي النار من باطن و ظاهر، هي النار مجسّمة حتّى لتكاد تحسّها البطون و الجلود، و حتّى لتكاد تراها العيون، و هي تشوي البطون و الجلود.
و لقد فعلت هذه النصوص القرآنية- بايحاءاتها العنيفة العميقة- فعلها في نفوس المسلمين، خلّصتها من رواسب الجاهلية. هزّتها هزّة عنيفة ألقت عنها هذه الرواسب، و أشاعت فيها الخوف و التحرّج و التقوى و الحذر من المساس- أيّ مساس- بأموال اليتامى. كانوا يرون فيها النار التي حدّثهم اللّه عنها في هذه النصوص القويّة العميقة الإيحاء. فعادوا يجفلون أن يمسّوها، و يبالغون في هذا الإجفال.