التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٦٧ - القرآن في تشريعاته الراقية
و ما تزال أموال اليتامى تؤكل بشتّى الطرق و شتّى الحيل، و من أكثر الأوصياء بل الأولياء، على الرغم من كلّ الاحتياطات القانونية، و من رقابة الهيئات الحكومية المخصّصة للإشراف على أموال القصّر، بل الغيّب أيضا.
فهذه المسألة لا تفلح فيها التشريعات القانونية، و لا الرقابة الظاهرية كلا، لا يفلح فيها إلّا أمر واحد و هو التقوى من اللّه، فهي التي تكفل الرقابة الداخلية على الضمائر، فتصبح للتشريع قيمته و أثره.
كما وقع بعد نزول هذه الآيات، إذ بلغ التحرّج من الأوصياء أن يعزلوا مال اليتيم عن أموالهم، و يعزلوا طعامهم عن طعامهم، مبالغة في التحرّج و التوقّي من الوقوع في الذنب العظيم.
إنّ هذه الأرض لا تصلح بالتشريعات و التنظيمات ما لم يكن هناك رقابة من التقوى في الضمير لتنفيذ التشريعات و التنظيمات. و هذه التقوى لا تجيش- تجاه التشريعات و التنظيمات- إلّا حين تكون صادرة من الجهة المطّلعة على السرائر، الرقيبة على الضمائر، عندئذ يحسّ الفرد- و هو يهمّ بانتهاك حرمة القانون- أنّه يخون اللّه و يعصي أمره و يصادم إرادته! و أنّ اللّه مطّلع على إرادته و على نيّته هذه و على فعله و عمله هذا، و عندئذ تتزلزل أقدامه و ترتجف مفاصله و تجيش تقواه.
إنّ اللّه أعلم بعباده و أعرف بفطرتهم و أخبر بتكوينهم النفسي و العصبي- و هو خلقهم- و من ثمّ جعل التشريع تشريعه و القانون قانونه و النظام نظامه و المنهج منهجه، ليكون له في القلوب وزنه و أثره و مخافته و مهابته، و قد علم سبحانه أنه لا يطاع أبدا شرع لا يرتكن الى هذه الجهة التي تخشاها و ترجوها القلوب، و تعرف أنها مطّلعة على خفايا السرائر و خبايا القلوب. و أنّه مهما أطاع العبيد تشريع العبيد تحت تأثير البطش و الإرهاب و الرقابة الظاهرية التي لا تطّلع على الأفئدة فإنّهم متفلّتون منها كلّما غافلوا الرقابة، و كلّما واتتهم الحيلة مع شعورهم دائما بالقهر و الكبت و التهيّؤ للانتقاض.