التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٦٦ - القرآن في تشريعاته الراقية
وَ آتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَ لا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَ لا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً- الى قوله:- وَ ابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَ لا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَ بِداراً أَنْ يَكْبَرُوا وَ مَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَ مَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَ كَفى بِاللَّهِ حَسِيباً- الى قوله:- وَ لْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَ لْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً* إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَ سَيَصْلَوْنَ سَعِيراً[١].
انظر الى دقة تعابير القرآن الواردة في هذه الآيات:
إنّها توصيات مشدّدة بما كان واقعا في الجاهلية العربية من تضييع لحقوق الضعاف بصفة عامّة، و الأيتام و النساء بصفة خاصّة. هذه الرواسب التي ظلّت باقية في المجتمع المسلم حتّى جاء القرآن يذيبها و يزيلها، و ينشئ في الجماعة المسلمة تصوّرات جديدة و مشاعر جديدة و عرفا جديدا و ملامح جديدة.
«و آتوا اليتامى أموالهم و لا تتبدّلوا الخبيث بالطيّب».
اعطوا اليتامى أموالهم التي تحت أيديكم، و لا تعطوهم الرديء في مقابل الجيّد، كأن تأخذوا أرضهم الجيّدة و تبدّلوهم منها من أرضكم الرديئة، أو ماشيتهم أو اسهمهم أو نقودهم، أو أيّ نوع من أنواع المال فيه الجيّد و الرديء.
و كذلك لا تأكلوا أموالهم بضمّها الى أموالكم، كلّها أو بعضها، إنّ لك كان ذنبا كبيرا، و اللّه يحذّركم من هذا الذنب الكبير.
فقد كان هذا كلّه يقع إذا في البيئة التي خوطبت بهذه الآية أول مرّة.
فالخطاب بشيء بأنه كان موجّها الى مخاطبين فيهم من يقع منه هذه الامور. و هي من أثر مصاحب من آثار الجاهلية، و في كلّ جاهلية يقع مثل هذا.
قال سيد قطب: و نحن نرى أمثاله في جاهليتنا الحاضرة في المدن و القرى،
[١] النساء: ٢- ١٠.