التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٦٤ - القرآن في تشريعاته الراقية
فالشريعة إنما جاءت بما يحكم به العقل الرشيد، و يتوافق مع الفطرة السليمة.
و من جهة اخرى، كانت القوانين الإلهية جامعة و شاملة للجوانب الثلاثة في حياة الانسان، و المرتبطة بعضها مع البعض- حسبما مرّت الاشارة إليه- و هي:
جانب الفرد ذاته. و جانب المجتمع الذي يعيش فيه. و جانب حقّ اللّه في الخلق، و الذي ضمن للانسان كرامته في الحياة، و حبّب إليه عواطفه النبيلة مع بني نوعه العائش معهم، تلك جوانب الحياة الانسانية الراقية، التي ضمنتها القوانين الإلهية، و التي اعوزتها أو افتقدتها سائر القوانين. و إليك بعض الأمثلة على ذلك:
قال تعالى بشأن شريعة القصاص:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَ الْأُنْثى بِالْأُنْثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَ أَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ رَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ* وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ[١].
في هذه الآية- بل في هذا التشريع العادل- نكات و دقائق ظريفة:
أولا: إنّ في شريعة القصاص ضمانا للحياة و إبقاء عليها، و ليس تكثيرا في القتل كما يتوهّمه القاصرون.
ثانيا: ضمان العدالة الاجتماعية في التعادل بين أصناف الإنسان، فلا يقتل حرّ بعبد، و لا ذكر بانثى إلّا بعد دفع التفاوت، و في شرائط خاصّة محرّرة في الفقه.
ثالثا- و هو عمدة النظر هنا-: جانب رعاية الاخوّة الانسانية الكامنة وراء كلّ تشريع إلهي عرضه الاسلام. فالقانون- مهما كان- لا مرونة فيه و لا عطوفة، إلّا إذا كان ناشئا عن واقع الانسان النابع عن كرامته و فضيلته في هذه الحياة.
[١] البقرة: ١٧٨ و ١٧٩.