التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٣ - هل القرآن مشتمل على جميع العلوم؟!
و ذكر التفنّن في فنون البلاغة و الخوض في وجوه الفصاحة و التصرّف في أساليب الكلام، و كان من أعظم منتحلات العرب، فجاءهم بما أعجزهم في القرآن، قال تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً[١].
و ذكر ضرب الأمثال و استشهد بقوله تعالى: وَ لَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ[٢].
ثمّ بعد هذا البيان ذكر أنّ القرآن إنّما تعرّض لما ألفه العرب من العلوم الصحيحة، و أهمل ما كان باطلا، كالكهانة و الزجر و خطّ الرمل و الطيرة و العيافة و نحوها. أمّا و زيادة على ذلك فلم يتعرّض لها القرآن، و القول بذلك تجاوز عن الحدّ، قال: إنّ كثيرا من الناس تجاوزوا الحدّ في الدعوى على القرآن، فأضافوا إليه كلّ علم يذكر للمتقدّمين و المتأخّرين من علوم الطبيعيات و التعاليم كالهندسة و غيرها من الرياضيات و المنطق و علم الحروف و أشباهها .. و هذا إذا عرضناه على ما ذكرناه لم يصحّ.
قال: و ربّما استندوا في دعواهم الى قوله تعالى: وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ[٣] و قوله: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ[٤] و نحو ذلك.
قال: أمّا الآيات فالمراد بها عند المفسّرين ما يتعلّق بحال التكليف و التعبّد.
أو المراد بالكتاب في الآية الثانية اللوح المحفوظ، و لم يذكروا فيها ما يقتضي تضمّنه لجميع العلوم النقلية و العقلية[٥].
*** قلت: و لعلّ وهن مستند ذاك الزعم ظاهر لا يحتاج الى بيان.
[١] الإسراء: ٨٨.
[٢] الروم: ٥٨.
[٣] النحل: ٨٩.
[٤] الأنعام: ٣٨.
[٥] الموافقات للشاطبي: ج ٢ ص ٦٩- ٨٢، و راجع الذهبي: ج ٢ ص ٤٨٥- ٤٩٠.