التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٠٦ - ٣ - غيب المستقبل
بلاد العرب، و لعلّه الحرب التي وقعت في صالح الفرس عام ٦١٧ م، حيث فتحوا بلاد الشام و حاولوا الهجمة على مصر و الاسكندرية، و هذا قبل الهجرة بخمس سنين تقريبا، و من ثمّ كان الايعاز بغلبة الروم على الفرس حوالي عشر سنين- أي سنة ٦٢٧ م- تقريبا، أي بعد الهجرة بخمس سنين- و بذلك كان الرجاء في ظفر المسلمين أيضا على الفرس حينذاك قريبا، و بذلك يفرح المؤمنون.
*** و آخر سورة كاملة نزلت من القرآن هي سورة النصر:
بسم الله الرحمن الرحيم* إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَ الْفَتْحُ* وَ رَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً* فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَ اسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً[١].
نزلت بعد فتح مكّة و ظهور الإسلام ظهورا كاملا، و جعلت العرب تتسابق الى الدخول في الإسلام أفواجا أفواجا، فجاءت السورة مبشّرة بهذا الفتح و حسن عاقبة الأمر. و قد فرح المسلمون بذلك فرحا شديدا، حيث تحقّق وعد اللّه بالنصر و الغلبة النهائية.
لكن العبّاس بن عبد المطلّب- عمّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله- لمّا سمع بها اغتمّ و بكى، فقيل له: ما يبكيك و قد استبشر المسلمون بها؟! قال: أظنّ أنّه قد نعيت الى ابن أخي نفسه الكريمة. فقيل بذلك لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله- فقال: صدق عمّي، قد نعيت إليّ نفسي، و هي مقبوضة في هذا العام[٢].
ذلك أنّ السورة إيعاز بكمال رسالته و إتمامها، فقد حان أوان الرحيل الى لقاء اللّه.
*** و منها آيات وراثة الأرض للعباد الصالحين في وقت عاجل و آجل جميعا.
قال تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي
[١] النصر: ١- ٣.
[٢] راجع مجمع البيان: ج ١٠ ص ٥٥٤.