التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٩٦ - ٢ - غيب الحاضر
تثبيط المسلمين عن الخروج للجهاد. و جهّز رأسهم جيشا من المنافقين ينافس به جيش المسلمين، حتّى كان يقال: ليس عسكر ابن ابيّ بأقلّ العسكرين. ثمّ أعلن حرب الأعصاب حين قرّر التخلّف و الانسحاب، و هو يقول: يغزو محمّد بني الأصفر- مع جهد الحال و الحرّ و البلد بعيد- الى ما لا قبل لديه، يحسب محمّد أنّ قتال بني الأصفر اللعب، و اللّه لكانّي أنظر الى أصحابه غدا مقرّنين في الحبال[١].
هذا ديدنهم في الشدائد و عند الاستعداد للمعارك، و هو أن يفرّوا من الميدان، و يبرّرون هزيمتهم هذه بأتفه المعاذير. و انظر الى عذر أحدهم- هو الجدّ بن قيس- يقول: إنّه يخشى على نفسه الفتنة من نساء الروم لجمالهنّ[٢].
و انظر إلى الآيات و هي تعري حقائقهم:
إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ ارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ* وَ لَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَ لكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَ قِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ* لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا وَ لَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَ فِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ* لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَ قَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وَ ظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَ هُمْ كارِهُونَ* وَ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَ لا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ[٣].
*** و أخيرا و بصفة عامّة يصف العرب- و لا سيّما البدو منهم- بالنفاق العارم، و أنّهم لا يزالون يكيدون بالاسلام، و حتّى الذين أسلموا في ظاهر الأمر، إنّما يبطنون الكفر و النفاق.
قال تعالى بشأنهم:
[١] سيرة ابن هشام: ج ٤ ص ١٦٨.
[٢] سيرة ابن هشام: ج ٤ ص ١٥٩، مجمع البيان: ج ٥ ص ٣٦.
[٣] التوبة: ٤٥- ٤٩.