التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٩٥ - ٢ - غيب الحاضر
عمرو بن حرام الأنصاري: تعالوا قاتلوا في سبيل اللّه و اتّقوا اللّه و لا تخذلوا نبيكم، أو ادفعوا عن حريمكم و أنفسكم[١].
*** و في غزوة الخندق كان لنذالة المنافقين دورها، فقد حفر المسلمون الخندق حول المدينة ليكونوا في مأمن من هجوم أحزاب العرب الكافرة، و لكن المسلمين أصبحوا مع ذلك في خطر يتهدّدهم من داخل المدينة من قبل اليهود و لا سيّما بني قريظة الذين غدروا بالعهد ليطعنوا بالمسلمين من خلف. و لم يكتف المنافقون بمهمّة التثبيط حتّى قال قائلهم- هو معتب بن قشير-: كان محمّد يعدنا كنوز كسرى و قيصر، و أحدنا يخشى أن يذهب الى الغائط. لم يكتفوا بهذا أيضا بل قاموا بدور الانسحاب مرّة اخرى، راجعين الى بيوتهم، متذرّعين بعذر لئيم، قالوا: إنّ بيوتنا عورة- مكشوفة- معرّضة للخطر فلا بدّ لهم أن يتولّوا حراستها و الدفاع عنها بأنفسهم، علما بأنّ الخطر لم يكن كامنا على بيوتهم، بل على الجبهة التي وقف المسلمون أمامها، و لكن خسّة الطبع زيّنت لهم هذا الغدر و سوّغته، فتركوا الميدان[٢].
و في ذلك يقول تعالى:
هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَ زُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً* وَ إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَ رَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً* وَ إِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَ يَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَ ما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً[٣].
*** و في غزوة تبوك يتكرّر موقف التخاذل و النذالة و الانسحاب، بعد أن حاولوا
[١] مجمع البيان: ج ٢ ص ٥٣٣.
[٢] سيرة ابن هشام: ج ٣ ص ٢٣٣، مجمع البيان: ج ٨ ص ٢٤٧.
[٣] الأحزاب: ١١- ١٣.