التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٩٤ - ٢ - غيب الحاضر
و الفئة الثانية التي لم يقرّ قرارها في المدينة- بعد مهاجرة المسلمين إليها و الإخاء الحاصل بينهم و بين الأنصار من أهل المدينة- هم فئة المنافقين، و كان يتزعّمها عبد اللّه بن أبيّ بن سلول. فكان هو و أذنابه لم يفتئوا يحاولون النيل من الإسلام و وضع بذور الشقاق و الخلاف بين المسلمين، كلّما وجدوا الى ذلك سبيلا.
و لكن آيات القرآن الكريم كانت لهم بالمرصاد، حيث كانت تكشف عن دسائسهم و عن أعمالهم الخبيثة، و عن دخيلة أنفسهم، ليكون المسلمون على بيّنة من أمرهم.
فمن الأساليب التي كان يلجأ إليها المنافقون حرب الأعصاب. ففي غزوة أحد قام رأس النفاق بشطر الجيش و سحب أنصاره منه، و هم زهاء الثلاثمائة، يريدون بذلك إيقاع البلبلة و الاضطراب في قلوب المسلمين. و لمّا اصيب المسلمون في المعركة أبدوا شماتة الأنذال الجبناء.
و القرآن يصوّر خسّتهم القائمة على خبث و لؤم و جبن، و يبرز الحقيقة الكامنة فيهم. و هي: أنّ ألسنتهم و صدورهم إنّما تعيشان باستمرار على طرفي نقيض.
قال تعالى:
وَ ما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَ لِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ* وَ لِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَ قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ* الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَ قَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ[١].
قال الطبرسي: إنّ عبد اللّه بن أبيّ بن سلول و المنافقين معه من أصحابه انخزلوا يوم أحد نحوا من ثلاثمائة رجل و قالوا: علام نقتل أنفسنا. و قال لهم عبد اللّه بن
[١] آل عمران: ١٦٦- ١٦٨.