التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٩٣ - ٢ - غيب الحاضر
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ-: نزلت في اليهود و المنافقين، كانوا يتناجون فيما بينهم دون المؤمنين، و ينظرون إليهم و يتغامزون بأعينهم، فإذا رأى المؤمنون نجواهم حسبوا أن بلغهم عن أقربائهم و إخوانهم الذين خرجوا الى السرايا شيء، قتل أو أسر أو هزيمة، فيقع ذلك في قلوبهم و يحزنهم. فلمّا طال ذلك شكوا الى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فنهاهم عن النجوى دون المؤمنين، فلم ينتهوا عن ذلك، فنزلت الآية توبيخا و تنديدا لهم:
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ وَ يَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ وَ مَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَ إِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَ يَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْ لا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ[١].
و ذلك أنّ اليهود كانوا يأتون النبي صلّى اللّه عليه و آله فيقولون: سام عليك، و السام الموت، و هم يوهمون أنه السلام عليك. و هكذا كانوا يحيّون سائر المسلمين. و كانوا يزعمون أن لو كان نبيا لم يكد يخفى عليه ذلك، و من ثمّ سوف لا يعذّبهم اللّه على صنيعهم هذا، فافتضحهم اللّه بنزول الآية، و حتم عليهم العذاب و بئس المصير[٢].
ثمّ قال تعالى- فصلا لقوله الحقّ-: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ وَ مَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَ تَناجَوْا بِالْبِرِّ وَ التَّقْوى وَ اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ* إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَ عَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ[٣].
*** و ممّا ورد بشأن المنافقين قوله تعالى:
وَ مِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ[٤].
[١] المجادلة: ٨
[٢] مجمع البيان: ج ٩ ص ٢٤٩- ٢٥١.
[٣] المجادلة: ٩ و ١٠.
[٤] التوبة: ١٠١.