التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٥٥ - الماء الاجاج
قوله: «فأنهد جبالها عن سهولها» كأنّه إشارة الى مبدأ حدوث الجبال على سطح الأرض، بعد أن كان مستويا، فتجعّد على أثر برودة القشرة، فكانت نتوءات و انخفاضات، و بذلك انقسم وجه الأرض الى مرتفعات شامخات و هضبات، و الى وديان و سهول.
قوله: «و أساخ قواعدها في متون أقطارها و مواضع أنصابها»
أصرح في الدلالة على السلاسل الجبلية المكتنفة بالأرض من جميع أقطارها.
قوله: «و جعلها للأرض عمادا، و أرّزها فيها أوتادا»
لأنّها هي التي حالت دون تفتّتها و دون اضطراب قشرتها، و دون خروجها عن مداراتها.
تلك ثلاث خلال، جاءت في وصف الامام عليه السّلام، لبيان حكمة نتوء الجبال و تسلسلها الماسكة بأكناف الأرض، و إليك شرح هذا الجانب:
قال عليه السّلام: «فسكنت على حركتها من أن تميد بأهلها، أو تسيخ بحملها، أو تزول عن مواضعها ..»
تلك ثلاث فوائد و حكم جاءت في كلامه:
(أولا) هدأت- رغم حركتها الانتظامية- من الميدان و الاضطراب، فهي تتحرّك بهدوء و اتّزان، لا ترتعش و لا تميد و لا تضطرب.
(ثانيا) هدأت و اطمأنّت و استحكمت قشرتها و صلبت، فلا تسيخ و لا تنخسف و لا تتشقق قشرتها، و إلّا لأصبحت قشرة الأرض كلّها براكين و فوهات و نافورات بالموادّ المنصهرة و الجلاميد المذابة.
(ثالثا) هدأت و انتظمت في حركاتها الوضعية و الانتقالية على أنحائها و أنواعها، و التي بها انتهجت الحياة عليها منهجها الرتيب، فلا تميل عن مواضعها في دوائرها الدائرة فيها بانتظام.
هذه ثلاث حكم بيّنها الامام عليه السّلام أثرا لوجود سلاسل الجبال في الأرض، الأمر الذي يدعمه العلم باكتشافاته و بحوثه و تجاربه.
و توضيحا لهذا الجانب نقول: إنّ هذا الأثر العظيم للجبال- في إمكان الحياة