باب مدينة العلم - كاشف الغطاء، الشيخ علي (ابن محمد رضا) - الصفحة ١٧١ - سبب انتقال الدراسة إليها و موقف كاشف الغطاء و أسرته منها
سائر أقطار العالم. و هو الذي اسمّيه (بالتدريس الفردي) فان التلميذ الذي يتخصص لطلب العلوم الدينية يندرج وحده في مراتبه العلمية و في دروسه و اساتذته من دون ان يندمج في صفوف أو يتحكم في إرادته نظام نعم جميع هؤلاء المشتغلين بتلك العلوم يتفقون على وضعية واحدة تركها سلفهم هي قراءة كتب معينة مرتبة. و قد يظهر مؤلف لأحد علمائهم الذين نبغوا و برعوا فيتخذ له قراراً و درجة في سلسلة كتب التدريس كما حدث في بعض المؤلفات الأصولية و الفقهية و ليس عندهم امتحان و لا شهادة و لا درجة مقررة و الطالب النابغ فيهم هو ذلك الذي يعترف له ذو الفضل بالفضيلة بعد الاختبار بالمذاكرة و التدريس و التأليف. و يعجبني من هذه الطريقة شيء واحد و هو انه لا يجوز عليها تدليس فلا يمكن ان تنال الدرجة الأخيرة فيها اعني درجة الاجتهاد بغير الكفاءة الحقيقية. و الكفوء الحقيقي هو المجتهد و غيره متشبّه انتهى ما أردنا نقله من كلامه" رحمه اللّه".
هذا و قد تكونت البذرة الأولى للدراسة الدينية في هذا البلد المقدس أوائل القرن الثالث الهجري حيث احتضنت هذه المدينة جملة من العلماء الروحانيين أمثال ابن شهريار و يحدثنا التاريخ انهم كانوا موضع عناية و رعاية من سلاطين آل بويه فهذا التاريخ يروي كثرة ما كان يبذله في النجف عضد الدولة البويهي و غيره منهم على فقهائها و طلابها في العلوم الدينية في أيام دولتهم في القرن الرابع. و قد نقل لنا الصحافي القدير جعفر الخليلي قول المرحوم عمنا الشيخ محمد حسين في النجف الأشرف (ان هذه البلدة منذ أن أنشئت و ظهر هذا المرقد الشريف فجر طلوع الدولة العباسية أو قبلها بقليل صارت أفئدة كثير من العارفين تهوي إليها و تختار السكنى فيها على انها بوادٍ غير ذي زرع و لا ضرع). و لكن لم تبلغ إذ ذاك مبلغ بغداد في مركزيتها للدراسة الدينية الشيعية إلا عند ما انتقل إليها الشيخ الطوسي في منتصف القرن الخامس الهجري فازدهرت فيها الدراسة الدينية و توسعت فيها الحركة العلمية حتى أصبحت النجف قطب دائرتها و محور رحاها و بلغ عدد من يحضر درس الشيخ الطوسي المذكور" رحمه اللّه" فيها ما يقرب من (٣٠٠) مجتهد و توافد عليها من كل حدب و صوب رواد العلم و طلاب الفقه و كانت تتحف العالم الإسلامي بجهابذة الفن و مجتهدي الفقه في كل حين من الدهر و تؤتي اكلها في كل وقت من الزمن و قد أصاب الدراسة فيها بعض الوهن بانتقال مركزها منها في القرن السابع إلى الحلة في عصر المحقق صاحب الشرائع ثمّ عادت في عصر المقدس الاردبيلي ثمّ انتقلت منها لكربلاء في عصر الوحيد البهبهاني ثمّ عادت إليها في عصر العلامة بحر العلوم و المرحوم الشيخ الكبير جعفر كاشف الغطاء و قد بذل الثاني منهما و أولاده قصارى جهدهم في تمصيرها و المحافظة على مركزيتها للتدريس و صد الغارات عليها من الأعراب و بنى الشيخ جعفر سورها الذي هو الحصن لها و أكمله من بعده ابنه