باب مدينة العلم - كاشف الغطاء، الشيخ علي (ابن محمد رضا) - الصفحة ٨٢ - الفصل الثالث في المذهب الديني
العناصر المقومة للدين
ثمّ ان لكل دين سماوي عناصر ثلاثة الإيمان بالخالق لهذا العالم. و الإيمان باليوم الآخر. و شريعة جاء بها رسول من خالق هذا العالم إلى مخلوقاته الحية العاقلة القابلة للتكليف.
ما هو المجتمع الديني و المجتمع المادي
المجتمع الديني هو المجتمع الذي يتمشى مع الشريعة الإلهية و يتقيد بقيودها و أنظمتها و من مزاياه أن تسوده المثل العليا و الأمن و الأمان و القيم الروحية و الأخلاق الفاضلة و الاخلاص في العمل بقلب سليم ونية طاهرة. و المجتمع المادي هو المجتمع الذي يتحكم في مقدراته النفع الذاتي المتبادل و يكون هو الهدف الأول في سلوك الفرد أو الجماعة فإذا انعدم النفع انفصمت عراه و تفككت اوصاله و يتجه في مساره حيث ما توجهت ركاب المادة العمياء فهو كبناء منسق لا ارتباط بين أجزائه ارتباط ذاتي و لا يتركز على قواعد محكمة و أسس قوية سرعان ما ينهار لعدم ديمومة النفع الذي يتركز عليه بخلاف المجتمع الديني فانه يكون متراص البناء يشد بعضه بعضاً ما دام الدين قائماً فيه و القيم الروحية متركزة فيه.
الفصل الثالث في المذهب الديني
و مما يناسب هذا المقام الكلام في المذهب فنقول ان المذهب هو الطريق الخاص الذي يسلك لمعرفة أحكام الشريعة و إذا كان له صاحب واحد سمي بالإمام و إذا كان له أصحاب متعددة سمي بالأئمة و قد انقسمت الشريعة الإسلامية إلى مذهبين فمن قال بأن الخليفة بعد رسول اللّه" صلى اللّه عليه و آله" بلا فصل هو علي" عليه السلام" كان مذهبه التشيع و من قال ان الخليفة بعد رسول اللّه" صلى اللّه عليه و آله" بلا فصل هو أبو بكر كان مذهبه التسنن ثمّ كل منهم انقسم إلى مذاهب متعددة فالتشيع إلى جعفرية و زيدية و غيرهم و التسنن إلى حنفية و شافعية و غيرهم. و كان لكل منهم مبادئ و أصول و آراء تخصهم في معرفة الأحكام الشرعية و لكل منهم طريق خاص في استنباط القوانين الإلهية فالمذهب إنما يكون مذهباً إذا كانت له أدلة و مبادئ و أصول و أسس خاصة متميزة عمّا عداه من المذاهب و ليس مجرد المخالفة في الحكم الشرعي مع الاتفاق في المبدأ و المرجع موجباً لتعدد المذهب و إلا فالمجتهدون في المذهب الجعفري يلزم ان يكون لكل منهم مذهب و المختلفون في المذهب الحنفي يقتضي ان يكون لكل منهم مذهب و لو أطلق المذهب على ذلك كان خلاف الاصطلاح كما إن إطلاق الدين على المذهب خلاف الاصطلاح و لهذا أعبنا على أبي تمام حيث قال (و كوّفني ديني) فانه إنما كَوَّفَهُ" رحمه اللّه" مذهبه لا دينه. و قد تعارف عند الأصوليين و الفقهاء إطلاق (ذهب) على الرأي و القول في مقام تعدد آراء العلماء في المسألة فيقولون ذهب فلان إلى كذا و ذهب فلان إلى كذا بل قد يستعملوها بالنسبة لشخص واحد إذا كان له في المسألة اكثر من رأي واحد في عدة من كتبه أو في مواضع مختلفة من كتابه فكان استعمال الفعل الماضي لهذا اللفظ في غير ما اصطلح عليه في لفظ (مذهب) ثمّ ان المذهب على قسمين مذهب جماعي و هو ما كان له أتباع. و مذهب فردي و هو ما ليس له أتباع فالمجتهد الذي له آراء في المسائل الفقهية إن كان