باب مدينة العلم - كاشف الغطاء، الشيخ علي (ابن محمد رضا) - الصفحة ١٦٢ - المطلب السابع و العشرون في مدرسة الحديث و مدرسة الرأي في الفقه
هذه الدراسة تنمو و تتطور شأن غيرها من الدراسات للعلوم المختلفة. مستمدة من التقدم الرائع الذي ظفر به الإنسان في ميادين العلوم و الفنون و الفلسفة. غير انها أصابها بعض الضمور عند أهل السنة عند ما انسد عليهم باب الاجتهاد حيث تقيد عندهم الانطلاق الفكري و أما الشيعة حيث كان عندهم باب الاجتهاد مفتوحاً تقدمت تقدماً باهراً بوفرة المحصول العلمي و اتساع الأفق الفكري.
المطلب السابع و العشرون: في مدرسة الحديث و مدرسة الرأي في الفقه
ليس المراد بالمدرسة هنا معناها المتعارف من دور التعليم و التعلم و إنما المراد بها الطريقة التي يتخذها المجتهد في استنباط الفرع الفقهي فقد كان للفقهاء بحسب الاستقراء في استنباط الحكم الشرعي مسلكان:
أحدهما الاعتماد على الكتاب و السنة من غير رجوع للرأي و القياس و الاستحسان و التعمق في معرفة علل الأحكام و عند اختلاف الأحاديث يرجحون بعضها على بعض بالرأي و مع عدم الكتاب و السنة يرجعون لآثار الصحابة و مع عدم ذلك فبعضهم يعمل بالرأي و بعضهم يمتنع عن الفتوى و كانوا من طابعهم كراهة الفقه الافتراضي الذي هو البحث عن المسائل التي ليست بواقعة حتى لا يلجئون إلى الفتوى بالرأي أو التوقف فيها لأنها لما كانت غير واقعة كان من القوي جداً عدم النص من الكتاب و لا من السنة و لا من آثار الصحابة فيها.
و الحاصل انهم في الفقه يعتمدون في نوع استنباطاتهم لمسائله على الكتاب و السنة و الإجماع دون الرجوع للقياس و يكون رجوعهم للقياس و الرأي من الشاذ النادر أو من باب إفادتهما للقطع بحيث يكون طابعهم هو عدم الرجوع إليهما و عدم البحث في المسائل الفقهية التي لم يقم عليها تلك الأدلة و لذا لم تجد في ابحاثهم المسائل الفرضية غير الواقعة و قد أطلق عليهم اسم أهل الحديث و على مدارسهم اسم مدرسة الحديث و مدرسة المدينة و مدرسة أهل الحجاز و كان المتزعم لهذه المدرسة من ولاة الأمور هو علي بن أبي طالب" عليه السلام" حيث منع" عليه السلام" اشد المنع من العمل بالرأي و من الفقهاء هو سعيد بن المسيب المتوفي سنة ٩٤ ه في المدينة المنورة.
و المعروف ان مالك بن انس صاحب الموطأ المتوفي سنة ١٧٩ ه قد ورث هذه الزعامة لهذه المدرسة و لكن قد نقل عنه العمل بالرأي و الاستعانة بالقياس و لكن عمله هذا لا يمنع من انتمائه لمدرسة الحديث لكونه لم يكن ذلك طابعا له و لم يتخذ القياس دليلا في مقابلة الحديث المعتمد لديه فان الميزان في عد الفقيه من هذه المدرسة هو ان يكون طابعه و الغالب عليه العمل بالحديث و عدم العمل بالقياس و الرأي فلا يضر في نسبته لمدرسة الرأي لو عمل بالقياس شاذا نادراً و لعله من جهة إفادته القطع. و قد حكي عن ابن قتيبة عد مالك في معارفه من أصحاب الرأي وعد الحافظ أصحاب مالك في تاريخ علماء الأندلس من أصحاب الرأي. و قد سلك هذا المسلك الكثير من فقهاء الحجاز و اتجهوا في استنباطهم للأحكام هذا الاتجاه و ممن تتجلى فيهم هذه النزعة سالم بن عبد اللّه بن عمر الذي كان يرفض الإفتاء بالرأي فإذا سئل عن أمر لم يسمع فيه شيئا قال لا ادري و هذا ما دعا ان يسافر الكثير منهم للبلدان الإسلامية يجمعوا الأحاديث من الصحابة الموجودين فيها و لم يكونوا اتباع هذه المدرسة