باب مدينة العلم - كاشف الغطاء، الشيخ علي (ابن محمد رضا) - الصفحة ١١١ - في بيان الرأس الخامس
كما ظهر لك فساد ما في أحياء العلوم من ان الكتب و التصانيف محدثة لم يكن شيء منها في زمن الصحابة و التابعين لهم و إنما حدثت بعد سنة ١٢٠ ه بعد الهجرة و بعد وفاة جميع الصحابة و جلّ التابعين. كما ظهر أيضاً فساد ما ذكره ابن عبد البر في جامعه عن عبد العزيز بن محمد المتوفي سنة ١٨٦ ه انه قال أول من دوّن العلم و كتبه ابن شهاب ثمّ نقل عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال كنا نكتب الحلال و الحرام و كان ابن شهاب يكتب كلما سمع فلما احتيج إليه علمت انه اعلم الناس. و كما ظهر لك أيضاً فساد ما ذهب إليه المستشرقون من ان الأحاديث قد دوّنت في رأس القرن الثاني الهجري. و كما ظهر فساد ما أصر عليه بعض المتأخرين و ذكره ابن حجر العسقلاني من ان التدوين كان في عهد عمر بن عبد العزيز كما ظهر فساد ما عن الغزالي ان أول كتاب صنف في الإسلام هو كتاب ابن جريح في الآثار عن مجاهد و عطاء و بعده كتاب معتمر بن راشد الصنعاني باليمن و بعده موطأ مالك و ما عن فتح الباري ان أول من جمع الحديث الربيع بن صبيح و كان في آخر عصر التابعين.
دفع شبهة تدوين الصحائف
و أما ما ذكره البعض من ان عبد اللّه بن عمر كانت له صحيفة قد جمع فيها الأحاديث عن رسول اللّه" صلى اللّه عليه و آله" و ان لسعد بن عبادة المتوفي سنة ١٥ ه صحيفة جمع فيها طائفة من أحاديث رسول اللّه" صلى اللّه عليه و آله" و سننه و ان لجابر بن عبد اللّه الأنصاري المتوفي سنة ٧٨ ه صحيفة فيها مناسك الحج. و لعبد اللّه بن عباس المتوفي سنة ٦٩ ه كتب كثيرة فيها الكثير من سنن رسول اللّه" صلى اللّه عليه و آله" و سيرته. فأنا لو سلمنا صحة ذلك فهو لا يدل على تدوين الأحكام الشرعية بالمعنى الذي يقصد بكلمة التدوين فيما نحن فيه إذ لعل ما فيها أحاديث لا تخص الأحكام الشرعية بل قد قيل ذلك في الصحيفة المنسوبة لعبد اللّه بن عمر بن العاص. فقد ذكر بعضهم انها في الأدعية و الصلوات و ليس فيها شيء من الفقه مع ان عبد اللّه المذكور لم يسلم هو و أبوه إلا قبل وفاة النبي" صلى اللّه عليه و آله" بسنتين و كان سنه آنذاك خمس عشرة سنة و ليس له كثير صلة بالنبي" صلى اللّه عليه و آله".
و أما باقي الصحائف فقد ذكر القوم انها غير مرتبة على أبواب الفقه و إنما اشتملت على موضوعات خاصة. و عليه فيكون الذي دلت عليه الأحاديث و التاريخ صريحاً هو كون الإمام علي" عليه السلام" هو المدوّن الأول لعلم الفقه و ان صحيفته هي الأولى في هذا العلم.
الرأس الخامس: في بيان ان علم الفقه من أي العلوم هو و تقسيم العلوم و فيه فصول
في بيان الرأس الخامس
الرأس الخامس من الرءوس الثمانية لعلم الفقه بيان انه من أي علم هو فان المتقدمين قد جعلوا الرأس الخامس من الرءوس الثمانية التي تذكر في صدر كل علم هو بيان ان ذلك العلم من أي جنس من أجناس العلوم ليطلب ما يليق به و ليتجنب في طلبه عمّا لا يليق به و ليعرف هل ان في نفسه استعداد لتلقي مسائله أو عدم قابليتها ذلك. و قبل الخوض في بيان ان علم الفقه من أي العلوم لا بد لنا من الاشارة الإجمالية إليها.