باب مدينة العلم - كاشف الغطاء، الشيخ علي (ابن محمد رضا) - الصفحة ١٠ - تعريف علم الفقه
الأكثرون خصوا العمليات باسم الفقه. وسموا الاعتقاديات بعلم التوحيد و الصفات تسميه بأشهر أجزائه و أشرفها. و سموها أيضاً بعلم الكلام لأن مباحثه كانت مصدّرة بقولهم الكلام في كذا و كذا. و لأن أشهر الاختلافات فيه كانت في مسألة كلام اللّه تعالى انه قديم أو حادث. و لأنه يورث قدرة على الكلام في تحقيق الشرعيات كالمنطق في الفلسفيات. و لأنه كثر فيه الكلام مع المخالفين و الرد عليهم ما لم يكثر في غيره. و لأنه بقوة أدلته صار كأنه هو الكلام دون ما عداه كما يقال للأقوى من الكلاميين هذا هو الكلام. و اعتبروا في أدلتها اليقين لأنه لا عبرة بالظن في الاعتقاديات بل في العلميات (أي ان الظن يعتبر في العمليات).
تعريف علم الكلام
فظهر ان (علم الكلام) هو العلم بالقواعد الشرعية الاعتقادية المكتسبة من أدلتها اليقينية. و هذا معنى العقائد الدينية أي المنسوبة إلى دين محمد" صلى اللّه عليه و آله" سواء توقفت معرفتها على الشرع أم لا و سواء كان من الدين في الواقع ككلام أهل الحق أم لا ككلام المخالف و صار قولنا الكلام هو العلم بالعقائد الدينية عن أدلتها اليقينية مناسباً لقولهم في الفقه أنه العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية و موافقا لما نقل عن بعض عظماء الملة ان الفقه معرفة النفس مالها و ما عليها و ان ما يتعلق منها بالاعتقاديات هو الفقه الأكبر و خرج العلم بغير الشرعيات و بالشرعيات الفرعية و علم اللّه تعالى و علم الرسول" صلى اللّه عليه و آله" بالاعتقاديات. و كذا اعتقاد المقلد عند من يسميه علما و دخل علم علماء الصحابة بذلك فانه كلام و ان لم يكن يسمى في ذلك الزمان بهذا الاسم كما إن علمهم بالفرعيات فقه و ان لم يكن ثمة هذا التدوين و الترتيب و ذلك إذا كان متعلقا بجميع العقائد بقدر الطاقة البشرية مكتسبا من النظر في الأدلة اليقينية. و حكى عن الغزالي انه قال ان الناس تصرفوا في اسم الفقه فخصوه بعلم الفتاوى و الوقوف على دقائقها و عللها. و اسم الفقه في العصر الأول كان يطلق على علم الآخرة و معرفة دقائق النفوس و الاطلاع على عظم الآخرة و حقارة الدنيا. انتهى ما أردنا نقله و كيف كان فلا ريب ان الفقهاء و تبعهم الأصوليون قد نقلوا لفظ الفقه من معناه اللغوي الذي هو مطلق الفهم أو عن معناه العرفي الذي هو العلم بمطلق الأحكام الشرعية إلى فهم خاص و فرد مخصوص من أفراده.
تعريف علم الفقه
عرّف الفقهاء علم الفقه بأنه العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية، و هذا التعريف للفقه قد ذكره اغلب علماء الأصول و تسالموا عليه و ان زاد بعضهم بعض القيود فيه. ففي مختصر ابن الحاجب المتوفي سنة ٦٤٦ ه. زاد عليه بعد ذكر (التفصيلية) قوله (بالاستدلال) محترزاً بذلك عن علم الملائكة و نحوهم. و في المنهاج للبيضاوي المتوفي سنة ٦٨٥ ه أبدل (الفرعية) بالعملية و أتى بلفظ (المكتسب) بعدها وصفاً للعلم. و ابن السبكي المتوفي سنة ٧٧١ ه تبع البيضاوي في التعريف المذكور. و عن الآمدي المتوفي سنة ٦٣١ ه انه العلم بجملة غالبة من الأحكام و في تهذيب العلامة" رحمه اللّه". العلم بالأحكام الشرعية الفرعية المستدل على أعيانها بحيث لا يعلم من الدين ضرورة. و عن المعارج هو جملة من العلم بأحكام شرعية عملية مستدل على أعيانها و عن الذكرى هو العلم بالأحكام