تفسير نور الثقلين - العروسي الحويزي، الشيخ عبد علي - الصفحة ٢٧٩ - سورة التوبة
الى تبوك و ما اجتمعت لي راحلتان قط الا في ذلك اليوم، فكتب أقول: أخرج غدا، أخرج بعد غد، فانى مقوى و توانيت و بقيت بعد خروج النبي صلى الله عليه و آله أياما ادخل السوق فلا أقضى حاجة، فلقيت هلال بن امية و مرارة بن الربيع و قد كانا تخلفا أيضا فتوافقنا أن نبكر الى السوق و لم نقض حاجة، فما زلنا نقول: نخرج غدا و بعد غد حتى بلغنا إقبال رسول الله صلى الله عليه و آله، فندمنا فلما وافى رسول الله استقبلناه نهنيه بالسلامة فسلمنا عليه فلم يرد علينا السلام و أعرض عنا، و سلمنا على إخواننا فلم يردوا علينا السلام، فبلغ ذلك أهلونا فقطعوا كلامنا، و كنا نحضر المسجد فلا يسلم علينا أحد و لم يكلمنا فجاءت نساؤنا الى رسول الله صلى الله عليه و آله فقلن: قد بلغنا سخطك على أزواجنا أ فنعتزلهم؟ فقال رسول الله: لا تعتزلوهم و لكن لا يقربوكن، فلما رأى كعب بن مالك و صاحباه ما قد حل لهم، قال: ما يقعدنا بالمدينة و لا يكلمنا رسول الله صلى الله عليه و آله و لا إخواننا و لا أهلونا؟
فهلموا نخرج الى هذا الجبل فلا نزال فيه حتى يتوب الله علينا أو نموت، فخرجوا الى ذناب جبل بالمدينة و قد كانوا يصومون و كان أهلوهم يأتونهم بالطعام فيضعونه ناحية، ثم يولون عنهم فلا يكلمونهم، فبقوا على هذه الحالة أياما كثيرة يبكون بالليل و النهار و يدعون الله عز و جل أن يغفر لهم، فلما طال عليهم الأمر قال لهم كعب: قد سخط الله عز و جل علينا و رسوله صلى الله عليه و آله قد سخط علينا، و إخواننا قد سخطوا علينا، و أهلونا قد سخطوا علينا فلا يكلمنا أحد، فلم لا يسخط بعضنا على بعض؟ فتفرقوا في الليل و حلفوا أن لا يكلم أحد منهم صاحبه حتى يموت أو يتوب الله عز و جل عليه، فبقوا على هذه ثلثة أيام كل واحد منهم في ناحية من الجبل لا يرى أحد منهم صاحبه و لا يكلمه، فلما كان في الليلة الثالثة و رسول الله صلى الله عليه و آله في بيت أم سلمة نزلت توبتهم على رسول الله صلى الله عليه و آله.
ثم قال في هؤلاء الثلاثة: «وَ عَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا» فقال العالم عليه السلام: انما أنزل الله: «و على الثلاثة الذين خالفوا» و لو خلفوا لم يكن عليهم عتب «حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ» حيث لم يكلمهم رسول الله صلى الله عليه و آله و لا إخوانهم و لا أهلوهم، فضاقت المدينة عليهم حتى خرجوا منها «وَ ضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ» حتى حلفوا ان لا يكلم بعضهم