الفقه و مسائل طبية - ط بوستان کتاب - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٩٤ - ١٨ من منظر آخر
و لقد وقع الحسّ العامّ في بعض المجتمعات في الخلط بين ما هو حاجة و ما هو منفعة و ما هو رغبة، و جميعها تنهل من الوعاء الصحّي العامّ، فهي عبء على الموارد، و كلّها هامّة عند أصحابها في الأمم التي تكرس الفرديّة، و تجعل كلّ رغبة سانحة حقّا من حقوق الإنسان، فالمريض بالمستشفى ينتظر قلبا أو كبدا لزراعته، و الفتاة التي تريد أن تكبّر ثدييها أو تصغّرهما، و البدينة التي تقصد شفط الشحم من حول جسمها كلّ منهم يبصر حالته على انفراد، فيراها أهمّ شيء في الحياة.
و هناك وجه آخر مؤسف، و هو أنّ شحّ الموارد في بعض الدول هو في الواقع من صنع الدولة، فبريطانيا التي تضنّ حكومتها بغسيل الكلى على من جاوز الخامسة و الخمسين، نجد فيها أنّ مساحة الخدمات الصحّيّة لا تتجاوز سبعة بالمائة من مجموع الناتج القومي العامّ.
و الظاهر أنّ في كثير من الدول لم تتبوّأ الرعاية الصحّيّة المكانة الرفيعة التي تستحقّها على سلم الأولويات العامّ، مع أنّ رعاية الصحّة و التحرّر من المرض من أوائل حقوق الإنسان، و هي في الحقيقة مغلوبة على أمرها في المنافسة إزاء اعتبارات أخرى، كالإنفاق العسكري و الإنفاق البوليسي و الإنفاق الدعائي، بل الإنفاق على صنوف المتعة و الترفّ و اللذّة و لو كانت حراما، و أحرى بنا قبل أن نعيب على الآخرين أن ننظر في بلادنا العربيّة و الإسلامية.[١]
و تزيد بعض الدول الطين بلّة؛ إذ تترك الباب مفتوحا أمام مسبّبات الأمراض، ثمّ تشكو لاحقا من قلّة الموارد.
و لقد أسرفت دول في استعمال المبيدات الحشريّة في رقعتها الزراعيّة، أو في معالجة أنهارها بالسموم التي تقتل الطفيليات النباتيّة، أو في السماح لخوالف الصناعة بتسميم البيئة برّا و جوا و بحرا، عالمة و دارية بحكم الواقع الملموس أنّ ذلك يصبّ في الإنسان، فيحدث طوفانا من الفشل الكلوي و السرطان و مرض الكبد و التشوّهات الخلقيّة في المواليد، و نشكو ضيق الموارد، و نفرّط في قيمة الإنسان و نعمي أنّ الوقاية خير من العلاج.
عند ما بدأت أمريكا حملتها ضدّ التدخين في أمريكا، تداعت شركات السجائر إلى وضع استراتيجيّة الترويج في أمم العالم الثالث تحسبها أمم المغفلين، و يؤمن على ذلك الكثير منّا،
[١] . مرحبا بالكاتب الناقد البصير فيما ذكره، و فيما يذكره في بقيّة كلامه.