الفقه و مسائل طبية - ط بوستان کتاب - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٧٨ - حكم التخدير و المخدرات
و يقابل هذا الفريق من العلماء فقهاء آخرون أدركوا ما يحصل من آثار سيّئة لمتناولي هذه العقاقير. و قالوا إنّ التخدير الذي يلحق بسببها بالأطراف و الحواس لهو أكثر شرّا و أعظم خطرا من الخمر. و من بين هؤلاء الفقهاء ابن حجر و النووي.
و تناول المخدّرات، كالحشيشة و الأفيون و نحوها عن طريق المضغ أو التدخين ينتج عنه تغييب العقل. و قد يؤدّي إلى الإدمان و يسبّب تدهورا في عقلية المدمن و صحته.
ذكر ابن تيميّة الإجماع على تحريمه.
و قالت جماعة بتحريم كلّ ما يخدّر من الأشياء الجامدة أو غيرها المضرّة بالعقل أو غيره من أعضاء الجسد، دون ما يؤخذ منها من أجل التداوي لأنّ حرمتها ليست لعينها بل لضررها.
و ذهب أبو بكر بن إبراهيم الحرازي الشافعي إلى تحريم القات، و بمثل قوله في تحريمه صرح حمزة الناشري مستدلّا على ما ذهب إليه بحديث أمّ سلمة رضي اللّه عنها أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله نهى عن أكل كل مسكر و مفتر. رواه أحمد و أبو داود في سننهما بسند صحيح.
و من الأحكام المتعلّقة بالتخدير حرمة تعاطيه إلّا أن يكون ذلك بقصد التداوي. و في هذه الحال لا تصحّ تصرّفات المخدّر عند الجمهور. فإن كان بغير غرض التداوي اختلف الفقهاء فيما يصحّ من تصرّفاته و ما لا يصحّ.
فذهب الحنفيّة إلى أن تصرّفات متناول المخدّرات صحيحة لأنّ استعماله للمخدّر للهو معصية. و استثنوا من هذا الحكم ما يقع منه من ردّة، أو إقرار بالحدود، و من الإشهاد على شهادة نفسه. و محلّ ذلك إذا اختلط، و إلّا فهو كالصاحي يصحّ كفره و طلاقه و خلعه. و لما فشا من أمر الحشيشة و السكر بها، نبّه ابن عابدين إلى أن مشايخ الحنفية و الشافعية عادوا إلى تحريمها و أفتوا بوقوع الطلاق من متناولها.
و قالت الحنفيّة إذا كان ذهاب عقل المخدّر بالبنج و الأفيون لغرض التداوي، و هو يعلم أنّ التداوي بهما على سبيل الجواز لا الضرورة، فإنّ الطلاق يقع منه زجرا و عليه الفتوى.
و قالت المالكية بصحّة طلاقه. و تلزمه الحدود في الجنايات على النفس و المال. و على المشهور لا تصحّ منه و تلزمه العقود من بيع و شراء و إجارة و نكاح و إقرارات.
و ذهب الحنابلة إلى أنّ تناول البنج و نحوه لغير حاجة، إذا زال العقل به، فكالمجنون لا يقع طلاق متناوله.