الفقه و مسائل طبية - ط بوستان کتاب - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٧٢ - ما هو العقل؟
جديدة أو مغيّرة لها، بل هي على ثلاثة أقسام؛ فمنها ما هو موضوع أو شرط لأحكام، و منها ما هو راجع إليه، و منها ما هو ليس موضوعا أو شرطا لحكم نفيا أو إثباتا أو تغييرا.
فمن القسم الأوّل: الجنون و فساد العقل أو ضعفه بحدّ لا يعتني العرف بوجوده و يحكم عليه بأنّه فاقد العقل، فمن تنزّل بهذه المنزلة تزول عنه التكاليف الشرعيّة و يرفع عنه قلم التكليف و لا يستحقّ ذمّا و لا مدحا و لا لوما و لا حدّا و لا تعزيرا و لا عقوبة أخرويّة.
و ذلك لقبح تكليف من لا عقل له، و لا يدرك الخطاب، و لا يتمكّن من الامتثال، و للآيات الدالّة على نفي التكليف إلّا بقدر الوسع و للروايات، و بالجملة عدم تكليف فاقد العقل قطعي، سواء جعلنا الجنون مانعا من التكليف، أو جعلنا العقل شرطا له.
و أمّا الأحكام الوضعيّة، فلا مانع من تعلقها به، إذ لا بعث و لا زجر فيها، و إنّما هي مجرّد اعتبارات تابعة لأسبابها، فالعمدة هو النظر إلى إطلاق أدلّتها و شمولها للمعوقين، و مع الشكّ يرجع إلى أصالة البراءة عن الحكم تكليفا و وضعا.
و إليه (الجنون) يرجع العته[١] و الذهول و المغلوب على عقله و الخبل في العقل و الاختلال فيه و أمثاله و إذا فرضنا أنّ بعضها لم يرجع إليه فهو غير مؤثّر في الأحكام الشرعيّة، إذا لم يرجع إلى سائر العناوين التي نذكرها فيما بعد أيضا.
ما هو العقل؟
و اختلف كلماتهم في تعريف العقل كما في غيره، و الراجح عندي أنّه العلم و ليس وراء العلم شيء آخر نحو قوّة، كقوة الشهوة، و قوة الغضب و غيرهما، نعم ليس هو مطلق العلم و مترادفه و إلّا يصدق على كل عاقل أنّه عالم، بل العلم بحسن الأشياء الحسنة و بقبح الاشياء القبيحة، حسب حكم العرف في كل مكان و زمان و يلزمه معرفة البديهيّات و الضروريات، كما يلزمه إدراك الأمور الوجدانيّة التي لا تدرك بالحس، بل بالوجدان، كالخوف و الأمن و نفرته و حبه و جوعه و عطشه و شبعه و غضبه و رضاه و نظائرها.
و أما تحديد كمّيّة العقل المعتبرة في التكليف الشرعي: فليس عليها دليل عقلي أو شرعى، و هو موكول إلى نظر العرف العامّ الذين يفهمون من مشاهدة الأفعال و الأقوال و الحالات، و هو
[١] . المشاورة البلدانية، ج ٢، ص ٨٩٦.