الفقه و مسائل طبية - ط بوستان کتاب - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٢ - مخاوف و محاذير
حوالي الخمسين؟ ليس هذا رجما بالغيب بطبيعة الحال و لا ادّعاء بمعرفة المستقبل، و لكنّه كما ترى الهلال في أوّل الشهر، فتقول: إنّه سيكون بدرا بعد أسبوعين، فقراءة الجين حاضر معلوم ينبئ بقادم محتوم. فما مذاق الحياة إن علم المرء ذلك و خاض حياته يترقّب مصيره المعلوم، و وقوع البلاء خير من انتظاره، كما تقول الحكمة العربية. و من غير المتوقّع في القريب أن يدبّر لكلّ من هذه الامراض علاج، و يظلّ الطبّ عالما بالتشخيص و لكن عاجزا عن العلاج.
و يظلّ المريض حائرا، أ يتزوّج أم يحجم؟ و ينجب أم يمتنع؟ و يهلع أم يطمئن؟
و ما ذا لو شاءت الحكومة أو جهات العمل الأخرى أن يكون من بين إجراءات الكشف الطبّي عند التعيين قراءة جينوم الشخص طالب الوظيفة فوجدت عنده جينا ينبئ عن القابلية لمرض القلب أو السرطان أو غير ذلك؟ أ ترفض تعيينه فيكون هناك تعصّب ضدّ هؤلاء الناس أشبه بالتمييز العنصري، و إن يكن على أساس الصحّة لا على أساس الجنس أو اللون؟ و هل هذا عدل؟
و مثل ذلك أن تشترط شركات التأمين الصحّي أو التأمين على الحياة أن تطّلع على الجينوم فترفض، أو تقبل على أساس الاحتمالات الصحّيّة في المستقبل علما بأنّه ليس من اللازم أن يصاب كلّ ذي جين معيب بالمرض، ففي حالات كثيرة يحدث المرض بسبب تفاعل هذا الجين مع مؤثرات خارجيّة (بيئية) قد لا تصادف المريض، فينجو بذلك من المرض.[١]
و ما مدى إمكان صيانة المعلومات الجينيّة، و هي من خصوصيات الشخص الداخلة في نطاق حفظ سرّ المهنة، و هي مسجّلة على قرص الكمبيوتر تتناولها أياد غير طبّية، و يسطو عليها المتطفّلون من الناس أو الهيئات أو الشركات أو الحكومات؟ فهو تجسّس لا يجوز.
فإذا تسرّبت المعلومات فهل يفضي ذلك إلى دمغ هؤلاء الناس بآفاتهم، و وسمهم بعلاتهم حتى لو كانت مجرّد احتمالات قد لا تجيء أبدا؟
و إذا أظهر الفحص أنّ هناك آفة من الآفات التي تسري في العائلات و أريد التحقق من وجودها أو عدم وجودها في الأقارب، فهل يعدّ ذلك مسوّغا لفضّ سرّ هذا الشخص إلى أقاربه لفحصهم؟[٢] و هل تسمح الأخلاقيّات الطبّية بإبلاغهم بذلك؟ علما بأنّهم قد يفضلون أن لا تفتح
[١] . هو نعم العذر لصاحب الجين في مقابل مسئولي الإدارات الحكوميّة حين التوظيف.
[٢] . إذا فرضنا الآفة مهلكة أو قريبة منها و كانت قابلة للعلاج، فلا شبهة في جواز فضّ الستر حينئذ، بل يجب شرعا و- أخلاقا لوجوب حفظ النفوس المحترمة على الكلّ، و إذا فرضناها خفيفة أو مهلكة غير قابلة للعلاج، فلا مسوّغ لفضّ السرّ في الأخير؛ لأنّه إيذاء محرّم و جاز في فرض كونها خفيفة إذا لم يتأذّ أقارب المصاب بها أو المصاب نفسه، إلّا إذا طلب هو الإبلاغ من الطبيب، فلا بأس بتأذّي الطالب بعد طلبه. فلاحظ.