الفقه و مسائل طبية - ط بوستان کتاب - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٥٨ - ٥ مفهوم موت المخ في واقع ممارساتنا من وحدات العناية المركزة
ما ينبغي استعماله من أساليب الفحوص الإشعاعيّة و الإلكترونيّة الحديثة.
و في حالات الاصابة المخّيّة تحت الخيمة، فإنّ وظائف المخّ العلوي قد تستمر لفترة أطول لساعات أو أيام. و من الضروري التوصّل إلى تأكيد توقّفها بالرسم الكهربائي الصامت للمخّ، كضرورة مطلقة.
و لا يصحّ بحال أن يراودنا السأم أو العجلة أو بقاء عوامل تدعو للشك في العزم الأكيد و التنفيذ الكامل لكلّ عمليات التأكّد من موت جذع المخّ بلا عودة في كل حالة.[١]
و التوقّف النهائي لكلّ وظائف المخّ هو ما نطلق عليه «مفهوم موت المخّ» الذي يعنى لنا مفهوم الموت بصفته نهاية الحياة البشريّة الفاعلة، و الذي ينتهي إليه في النهاية من توقّف قلبه و تنفّسه في بداية الأمر في غير حالات إصابة الدماغ.
إنّ ما حدث هنا هو الموت الذي هو شيء يحدث و لا نحيط بكنهه و إنّما نسمّي ما حدث «مفهوما» للموت ذلك أنّ إدراك الإنسان للأحداث المجرّدة نسمّيه مفهوما. و هذا الإدراك هو الظاهرة العقلية لما يحدث بالفعل. و الإدراك و الوعي خاصية للمخّ البشري الذي يتميّز بالقدرة على الفهم و ليس عند الحيوانات الدنيا مفاهيم بالطبع.[٢]
٥. مفهوم موت المخّ في واقع ممارساتنا من وحدات العناية المركّزة
منذ ربع قرن كنا نعايش نحن- أطبّاء التخدير و العناية المركّزة مرضى إصابات الرأس الذين غفوا في غيبوبة عميقة، و الذين لا تستجيب عيونهم بطرفة جفن أثناء تنظيفها، و لا يستجيب إنسان العين المتّسع للضوء بحركة، و لا يظهر المريض ردّ فعل لقسطرة الشفط في قصبته الهوائيّة، و قد استلقوا بلا حراك لمصيرهم المتمثّل في الموت التدريجي لأنسجتهم مع الانهيار الحثيث للدورة الدمويّة و انتشار الجراثيم و تقرّح الجلد، و لم نكن نملك من وسائل التشخيص المختبريّة ما يمكننا من اليقين باستحالة عودة مريضنا الذي يدقّ قلبه إلى اليقظة من جديد، و اشتدّت حاجتنا إلى إرساء مقوّمات لهذا المفهوم الذي يتّضح أمام عيوننا، و للتيقّن من حالة
[١] . ما ذكره من التثبّت و الاحتياط حتّى العلم بالموت هو الذي يوجبه شرعا استصحاب بقاء الحياة أو عدم طروّ الموت.
[٢] . كلامه الأخير محتاج إلى تجربة مستأنفة معقّدة و لا يسهل حكمه الكلي على الحيوانات الدنيا بهذه السهولة و المسألة مذكورة في محلّها و قد أشرنا إليها في الجزء الأوّل من هذا الكتاب و بعض الحيوانات كالهرّة لا تأكل ولدها و لكن تأكله إذا مات كما شاهدنا.