أعلام من الأسرة النبوية - فوزي آل سيف - الصفحة ١٠٣ - حلیمة السعدیة مرضعة النبي
سنة مجدبة لم تبق لهم شيئا، وما أرض أجدب من بلاد بني سعد. فما كان في ثدييها ما يغني صبيّها الرضيع حتّى كانوا ما ينامون ليلهم من بكائه من الجوع، ومعها ناقة لها مسنّة ما ترشح بشيء يغذيهم، وكانت هي على أتان يتخلف عن الركب ضعفا وهزالا.
حتّى قدموا الى مكّة، فما بقيت امرأة ممّن مع حليمة الاّ أخذت رضيعا لها سوى حليمة و كلّما كان يعرض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله على امرأة منهن يقال لها انّه يتيم، كانت تأباه ليتمه. وبقيت حليمة لم تأخذ رضيعا، ولم يبق رضيع سوى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله، قالت حليمة: فقلت لزوجي: واللّه انّي لأكره أن أرجع وأنا بين صواحبي لم آخذ رضيعاً، و اللّه لأذهبنّ الى ذلك اليتيم فلآخذنّه، قال صاحبي: لا عليك أن تفعلي عسى اللّه أن يجعل لنا فيه بركة. قالت: فذهبت إليه فأخذته-و ما حملني على أخذه الاّ انّي لم أجد غيره-ورجعت به الى رحلي و وضعته في حجري و أقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن فشرب حتّى روي، و شرب معه أخوه فروي. وقام زوجي إلى ناقتنا فإذا ضرعها ملئ باللبن فحلب ما شرب و شربت معه حتّى روينا، فقال لي صاحبي: يا حليمة لقد اخذت نسمة مباركة، فقلت و اللّه اني لأرجو ذلك.
ثمّ قدمنا منازلنا من بلاد بني سعد، فلم نزل نتعرّف من اللّه الزيادة والخير، وكانت غنمي ترجع إلينا بعد العصر شباعا قد امتلأ ضرعها من اللبن، وترجع غنم القوم جياعا لا ترشح بقطرة لبن. و كان رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وآله -يشبّ ما لا يشبّه الغلمان، فلم يبلغ سنتيه من الرضاعة حتّى غلظ و اشتدّ جسمه، حتّى إذا مضت سنتاه و فصلته، فقدمنا به على أمّه و نحن أحرص شيء على مكثه فينا لما نرجو من بركته، فكلمنا أمّه فلم نزل بها حتّى ردته معنا فرجعنا به".[١]
[١] ) اليوسفي محمد هادي ؛ موسوعة التاريخ الإسلامي ١/٢٦٣