الرسائل الأربع: قواعد أصولیة و فقهیة - عدة من الأفاضل - الصفحة ٣٠٨ - الثالث المفتي والمجتهد
فهرس الرسالة الصفحة ١٠
من عين صافية، لعدم جمع السنّة النبويّة في معجم تصل إليه كلّ يد، وظهور المسائل المستحدثة غير الموجودة في الكتاب والسنّة، واختفاء القرائن الحاليّة المتّصلة بالكتاب والسنّة، إلى غير ذلك من الأُمور التي دفعت أعلام الأُمّة إلى بذل الجهد في طريق استنباط الأحكام الشرعية، وكلّما ازداد البعد عن منبع الوحي، وكثر تطرّق الجعل والدسّ في الروايات وعروض الاشتباه والسّهو، صار الاجتهادُ أمراً مشكلاً لايتحمّله إلاّ الأمثل فالأمثل.
ولو افترضنا أنَّ أهل المدينة مثلاً كانوا في غنى عن الاجتهاد بعد رحيل الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم)للتمكّن من الاتّصال بأهل البيت (عليهم السلام) ، إلاّ أنّ أهل سائر البلاد وخصوصاً البلاد الشّرقيّة يوم ذاك كخراسان، كانوا منقطعين عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)ولم يكن كلّ النّاس متمكّناً من شدّ الرّحال إلى المدينة ولقاء الإمام (عليه السلام) والسؤال منه [١].
ولذلك لم يكن بدّ من قيام جماعة تتحمّل مشقّات ومتاعب السّفر والنّفر، (وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ...)(التوبة/١٢٢).
وكان المتمثل لهذا الأمر (الإفتاء) هو المجتهد الّذي يتحمّل جهوداً كثيرة للتّوصل إلى الحكم الشّرعي.
هذا وإنّ لتاريخ الاجتهاد وسَيْرهِ بين الأُمّة الإسلامية بحثاً مفصّلاً سنقوم بعرضه في بحوثنا حول تاريخ الفقه وطبقات الفقهاء الّذي هو في يد التأليف بمعاضدة فريق من الفضلاء، وعليه، فليس للاخباريّ أن ينكر الاجتهاد بهذا المعنى الّذي فرضته الضرورات الاجتماعيّة على ذوي المواهب، وهنا فصلان ، فنقول:
[١]روى عليّ بن المسيّب الهمدانيّ قال: قلت للرّضا (عليه السلام): شقتي بعيدة، ولستُ أصل إليك في كلّ وقت، فممّن آخذ معالم ديني؟ قال (عليه السلام) : من زكريّا بن آدم القمّي المأمون على الدّين والدّنيا، قال عليّ بن المسيّب: فلمّا انصرفت قدمنا على زكريّا بن آدم، فسألته عمّا احتجت إليه. الوسائل: ١٨/١٠٦ح ٢٧، الباب ١١من أبواب صفات القاضي.