الرسائل الأربع: قواعد أصولیة و فقهیة - عدة من الأفاضل - الصفحة ٢٨ - سعة دائرة حكم العقل
فهرس الرسالة الصفحة ٢٤
مطروح للالهي في معرفة ما يجوز له سبحانه أو لا يجوز عليه، ولاللعالم الإخلاقي في تبيين المُثْلِ العليا للإنسان في المجتمع الصغير، ولاللسائس الواعي في إدارة المجتمع الكبير إذ عندئذ تصير الأخلاق والسياسة، مفاهيم مادية، لايعرّج إليه الإنسان الموضوعي. والعجب أنّه ينقل عن المعتزله انّهم صرّحوا بأنّ كون الشيء حسناً أو قبيحاً، أمر مغاير لكونه منشأ للمنفعة والمضرة، ومع ذلك يصِّـرّ في آخر كلامه بأنّه لايعقل من الحسن والقبح إلاّ المنفعة والمضرة.
الثاني: لو صحّ القبح العقلي وعمّ حكم العقل له سبحانه، يلزم أن لايُنعم اللّه على أحد من عباده لأنّ النعمة إنّما تكون نعمة إذا كانت رافعة للحاجة، وإيجاد الحاجة في الإنسان ضرر ومضرة وهو قبيح، فإيصال النعمة إليه لايمكن إلاّ إذا كان مسبوقاً بإيصال ضرر يساويه، ومن كان الأمر كذلك، صارت هذه النعمة الحاصلة دافعة لذلك الضرر السالف فتصير هذه الواقعة كمن يجرح إنساناً ثمّ يعالج جراحته، أو يسرق ديناراً من إنسان، ثمّ يعطيه ديناراً. [١]
يلاحظ عليه بوجهين:
١ـ أنّ حاجـة الممكـن ذاتي له غير مجعـول، وإنّما المجعـول وجوده واللّه سبحانه أوجد الممكن المحتاج بالذات، لاأنّه أُعطى الحاجة له، وليس الممكن إلاّ مسلوب الضرورة من جانبي الوجود والعدم، واندفاعه به إلى أحد الطرفين يحتاج إلى علّة، غير أنّ عدم العلّة كاف في كونه معدوماً، وما هذا شأنه، تشكِّل الحاجة ذاته وحاقّه وحقيقته، فبطل قوله: «إنّ إيصال النعمة إليه لايمكن إلاّ إذا كان مسبوقاً بإيصال ضرر يساويه» وإذا كان المقصود من الضرر هو الحاجة فليس هي واصلة إليه من العلّة، بل هي واقعية الممكن ولبّه، وجد أم لم يوجد.
كما بطل قوله: «فتصير هذه الواقعة كمن يجرح إنساناً ثمّ يعالجه» فإن أراد
[١]المطالب العالية: ٣/٢٩١.