الرسائل الأربع: قواعد أصولیة و فقهیة - عدة من الأفاضل - الصفحة ٥٤ - ١ـ كلام الزركشي وهو من النافين
فهرس الرسالة الصفحة ٥٠
وانّه لاملازمة بينهما. والمعتزلة لاينكرون انّ اللّه تعالى هو الشارع للأحكام، وإنّما يقولون: إنّ العقل يدرك انّ اللّه تعالى شرّع أحكام الأفعال بحسب ما يظهر من مصالحها ومفاسدها فهو طريق عندهم إلى العلم بالحكم الشرعي، والحكم الشرعي تابع لهما لاعينهما، فما كان حسناً، جوزّه الشارع وما كان قبيحاً منعه فصار عند المعتزلة حكمان، أحدهما عقلي والآخر شرعي تابع له.
ثمّ نقل قولاً آخر وأسماه قولاً متوسطاً وهو انّه قبحها ثابت بالعقل، والعقاب يتوقف على الشرع وهو الذي ذكره أسعد بن علي الزنجاني وأبو الخطاب من الحنابلة وذكره الحنفية ونقلوه عن أبي حنيفة نصّاً وهو المنصور ـ ثمّ قال: ـ إنّ هيهنا أمرين: الأوّل: إدراك العقل حسن الأشياء وقبحها، الثاني: انّ ذلك كاف في الثواب والعقاب وإن لم يرد في الشرع، ولا تلازم بين الأمرين، بدليل (ذَلِكَ إنْ لَم يَكُن رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلمِ) أي بقبيح فعلهم (وَأَهْلُها غَافِلُون)(الأنعام/١٣١) ومثله: (وَلَوْلا أنَ تُصِيبِهُم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) أي من القبائح (فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أَرسَلْتَ إِلَينَا رَسُولاً...) (القصص/٤٧) . [١]
يلاحظ عليه: أوّلاً إنّ البحث مركز على ما لو استقل العقل بحسن الأفعال أو قبحها فهو يلازم ذلك ـ عند العقل ـ حكمه بالحسن والقبح أيضاً أولا، وعليه فما نقله عن المعتزلة من أنّ العلم بالمصالح والمفاسد طريق إلى الحكم الشرعي، كأنّه خارج عن محيط النزاع.
وبعبارة أُخرى ليس النزاع فيما إذا وقف العقل على مصالح الأحكام ومفاسدها وملاكاتها وانّه هل يلازم ذلك ـ عند العقل ـ حكم الشارع أيضاً على وفقها أو لا؟ بل النزاع فيما إذا استقل بحسن فعل أو قبحه، وانّه هل يلازم حكم الشارع بهما أيضاً أو لا، وبين الموضوعين بون بعيد، والقول بالملازمة في الجهة الثانية لايلازم القول في الأُولى لما تقرر في محلّه من انّه لاسبيل للعقل بما هو عقل
[١]تشنيف المسامع بجمع الجوامع: ١/١٣٣ـ١٣٩ كما في التعليق على الوافية: ١٧٥ ـ١٧٧.