الرسائل الأربع: قواعد أصولیة و فقهیة - عدة من الأفاضل - الصفحة ٤٩٤ - العدول من الحيِّ إلى الحيِّ
فهرس الرسالة الصفحة ١٩٦
الفتوى الأُولى حجّة فعليّة، ليس بمعنى نفي الحجيّة عن الأُخرى، بل كلاهما حجّة فعليّة بمعنى أنّ العمل بكلّ منهما مؤمّن من العقاب وصالح للاحتجاج [١]، نعم يلزم التّعارض لو قلنا بأنّ جعل الحجيّة لكلّ واحد من الفتويين يلازم جعل حكم مماثل فيلزم جعل حكمين مماثلين متضادَّين، وهذا النَّوع من التعارض ـ على فرض صحّته ـ راجع إلى باب إمكان التعبّد بالامارات، ولا صلة له بالمقام.
إلى هنا تبيّن أنّه ليس للقائل بالجواز دليل رصين، وإليك دراسة قول القائل بالمنع.
استدلّ: بأنّ عدم الجواز هو مقتضى الأصل العقليّ المتقدّم (عند الدّوران بين التّعيين والتّخيير) للشكّ في حجيّة فتوى من يريد العدول إليه، والعلم بحجيّة فتوى من يريد العدول عنه، وفي مثله يبنى على عدم حجيّة مشكوك الحجيّة [٢].
يلاحظ عليه: أنّه لاتصل النّوبة إلى الأوّل (الأصل العقليّ) إلاّ بعد اليأس عن تحصيل الدّليل، هذا من جانب، ومن جانب آخر ليس للرّأي خصوصيّة إلاّ كونه طريقاً وكاشفاً عن الواقع، وهو مشترك بينهما، فالفتوى الأولى والثّانية سيّان في الحجيّة والكاشفيّة.
إذا علمت هذا، فإنّ مقتضى القاعدة هي سقوط الفتويين عن الحجيّة والرّجوع إلى الاحتياط، ولكن لمّا كان الاحتياط أمراً متعسّراً لتوقفّه على العلم بالفتاوى وكيفيّة الاحتياط كفى الامتثال الاحتماليّ وهو العمل بإحداهما، وكونه بحكم العقل فهو مستقلّ بالتخيير في كلتا الحالتين، فالأقوى جواز العدول في المتساويين بشرط أنّ لايؤدّي وينتهي العدول إلى اللّعب بالتّقليد وإنّ كان الأحوط عدم العدول واللّه العالم.
[١]قال السيد الخوئيّ (رضي الله عنه) «فيما إذا كان المستصحب حجيّة الفتوى المختارة: ـ لا معنى لجعل الطريقيّة للجامع ولا لأحدهما المبهم، بل الطرّيق كلّ واحد منهما بشرط اختيار المكلَّف له. فإذا اختار أحدهما يكون هو الحجة الفعلية في حقّه ويتنجز عليه الحكم الذي يؤدي إليه المختار...» دروس في فقه الشيعة ـ ج١ الاجتهاد والتقليد: ص ٦٦ ـ ٦٧.
(٢) مستمسك العروة: ١ /٢٥.