الرسائل الأربع: قواعد أصولیة و فقهیة - عدة من الأفاضل - الصفحة ٤٧ - الدليل الثالث لو كان الحسن والقبح عقليين لما تغيرا
فهرس الرسالة الصفحة ٤٣
الكذب، فيحكم العقل بارتكاب أقلّ القبيحين تخلصاً من ارتكاب الأقبح. على أنّه يمكن التخلّص عن الكذب بالتعريض (أي التورية) .
وباختصار: أنّ تخليص النبي أرجح من حسن الصدق فيكون تركه أقبح من الكذب فيرجح ارتكاب أدنى القبيحين وهو الكذب لاشتماله على المصلحة العظيمة، على الصدق.
أضف إلى ذلك: أنّ الاستدلال مبنيّ على كون قبح الكذب وحسن الصدق، كقبح الظلم وحسن العدل، ذاتيين لايتغيران. وأمّا على ما مرّ من أنّ الأفعال بالنسبة إلى الحسن والقبح على أقسام:
منها: مايكون الفعل علّة تامة لأحدهما، فلايتغير حسنه ولاقبحه بعروض العوارض كحسن الإحسان وقبح الإساءة.
ومنها: مايكون مقتضياً لأحدهما، فهو موجب للحسن لو لم يعرض عليه عنوان آخر، وهكذا في جانب القبح. وقد تقدّم أنّ حسن الصدق وقبح الكذب من هذا القبيل.
ومنها: ما لا يكون علّة ولا مقتضياً لأحدهما كالضرب، وإنّما يوصف بأحدهما بطرؤ عنوان كالضرب جزاء أو إيذاء.
إنّ الآمدي ـ أحد المتكلّمين من الأشاعرة ـ نقل وجوهاً سبعة لإنكار التحسين والتقبيح العقليين ونحن نضنّ بالقلم والحبر والورق عن نقلها والردّ عليها، ولأجل الوقوف على ضآلتها نذكر واحداً منها:
لو كان الكذب قبيحاً لذاته، للزم منه أنّه إذا قال: «إن بقيت ساعة كذبت» أن يكون الحسن منه في الساعة الأُخرى، الصدق أو الكذب، والأوّل ممتنع لما يلزمه من كذب الخبر الأوّل وهو قبيح، فلم يبق غير الثاني وهو المطلوب. [١]
انظر إلى هؤلاء، كيف يستدلّون على مسألة كلامية أو أُصولية أو أخلاقية بهذه الوجوه التافهة، وهم بدل أن يرجعوا إلى فطرتهم وقضاء عقولهم، صاروا يستدلون بهذه اللغز والأحاجي.ومع ذلك نقول: إنّ وظيفته في الساعة الأُخرى هو
[١]الاحكام: ١/١٢٠ـ ١٢١.